
تتداخل رقعة المستطيلات الخضراء يوماً بعد يوم مع تعقيدات الجيوسياسة وصراعات النفوذ، لتتحول المحافل الكروية الكبرى إلى مرايا حية لتقاطعات المصالح واختبارات السيادة، وهو ما ينكشف بوضوح في الأزمة العاصفة المتصاعدة بين الاتحاد الدولي لكرة القدم برئاسة جياني إنفانتينو والاتحاد الأوروبي على خلفية مشروعه التجاري الضخم لتأسيس شركة فيفا فوروارد إنتربرايز بقيمة سوقية تبلغ نحو عشرين مليار دولار لجمع المليارات عبر طرح أجزاء من رأس مالها، الأمر الذي قوبل برفض أوروبي صارم يهدد استقلالية اللعبة ويدفع دول التنظيم المشترك لمونديال ألفين وثلاثين نحو حافة التجاذبات الحادة، حيث تجد إسبانيا والبرتغال نفسيهما مكبلتين بالتزاماتهما المؤسساتية تجاه اليويفا، بينما يقف المغرب في موقع الحليف الأبرز وممثل القارة السمراء بمعادلة دقيقة تفرض عليه حماية مصالحه الاستراتيجية بندية تامة.
وفي خضم هذه التجاذبات الرياضية المعقدة، يبدو أن جغرافيا التاريخ لا تنفصل أبداً عن واقعه، إذ يتكفل نزيف الحدود وملفات الهجرة المشتعلة بفرض إيقاع آخر على المشهد؛ فتلك الأزمة العارمة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة حين تدفق نحو ستين ألف شاب مغربي في مشاهد مأساوية كشفت هشاشة الحدود وأبرزت حجم الضغوط الكامنة تحت الرماد، لم تكن سوى واجهة لحقيقة سياسية أعمق تؤكدها الإقرار الرسمية الإسبانية المتكررة بأن المغرب لا يغفل حقه أبداً، بل يقدم بشكل دوري ملف سبتة ومليلية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للمطالبة بتصفية الاستعمار عن الثغرين المحتلين، لتتجسد صدفة التاريخ والجغرافيا حين تتقاطع هشاشة الشراكات الأوروبية مع براكين الأزمات الحدودية وملفات الأمم المتحدة المكتومة.
وكأنما تترتب أحجار الشطرنج تدريجياً لترسم ملامح مستقبل غير مألوف، تبرز في أفق التوقعات قراءة أكثر جرأة وواقعية تتجاوز كل القيود التقليدية؛ إذ إن تعنت الشركاء الأوروبيين واستمرار الأزمات الهيكلية بين الفيفا واليويفا، بالتزامن مع ثبات الموقف المغربي الدبلوماسي وتنامي قوته السيادية على كافة المستويات، يمهد الطريق أمام سيناريو تاريخي متكامل، تتلاشى فيه صيغة التنظيم المشترك المتعثر، ليجد المغرب نفسه أمام حتمية استعادة مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين إلى أحضان الوطن قبل حلول موعد العرس العالمي، ويمضي حينها وحيداً لينفرد بتنظيم نسخة استثنائية فريدة لكأس العالم على أرضه السيادية الخالصة.





