مجتمع

تفاقم ظاهرة التسول الأجنبي بالمغرب: الأبعاد، الخلفيات والحلول الناجعة

​تشهد الشوارع والتقاطعات الرئيسية في مختلف المدن المغربية الكبرى، مثل الدار البيضاء، الرباط، وطنجة، تحولاً لافتاً في بنية ظاهرة التسول، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على الفئات المحلية الهشة، بل برزت بشكل متزايد شبكات منظمة تقودها مجموعات من المهاجرين المنحدرين من دول جنوب الصحراء الكبرى ومن اللاجئين السوريين. هذا التحول لم يعد مجرد سلوك فردي ناتج عن الحاجة والفاقة، بل تحول في أجزاء كثيرة منه إلى نشاط تديره عصابات متخصصة ومحترفة تستغل العاطفة الدينية والروح التضامنية المتجذرة لدى الشعب المغربي، مما بات يطرح تحديات أمنية واجتماعية واقتصادية معقدة تتطلب تشريحاً دقيقاً لأصل المشكلة وبحثاً جاداً عن حلول جذرية ومستدامة.
​وتكشف المعطيات الإحصائية المتوفرة عن أرقام مقلقة تعكس حجم هذه الإشكالية، إذ تشير تقديرات دراسات وطنية وأمنية غير رسمية إلى أن عدد المتسولين في المغرب يتجاوز 150 ألف شخص، وتأتي فئة المهاجرين واللاجئين الأجانب لتشكل نسبة متزايدة داخل هذا الرقم، لا سيما في النقط الحضرية الاستراتيجية. وتوضح التقارير الميدانية المصاحبة للحملات الأمنية أن نسبة مهمة من هؤلاء المهاجرين يتم تحريكهم وتوزيعهم عبر “شبكات تهريب وتنظيم” سرية، حيث تبين أن بعض المجموعات من جنسيات إفريقية محددة تعمل وفق نظام حصص وتوزيع جغرافي صارم، ويتم استغلال النساء والأطفال بشكل مكثف نظراً لارتفاع “العائد اليومي” الذي يمكن أن تحققه الفئات المستضعفة، والذي يتراوح في المتوسط بين 150 إلى 300 درهم يومياً للمتسول الواحد، مما يجعلها تجارة مربحة تدر ملايين الدراهم سنوياً على قادة هذه العصابات خارج القنوات الاقتصادية الرسمية.
​إن أصل المشكلة يعود إلى تداخل معقد بين سياقات جيوسياسية واجتماعية وثقافية؛ فالأزمة السورية المستمرة منذ سنوات طويلة، والاضطرابات الأمنية والاقتصادية المستدامة في دول الساحل وجنوب الصحراء، دفعت بالآلاف نحو الهجرة. وبفضل السياسة الإنسانية التي انتهجها المغرب في تسوية الوضعية القانونية لآلاف المهاجرين، تحولت المملكة من بلد عبور إلى بلد إقامة. ومع ذلك، واجهت فئات واسعة من هؤلاء الوافدين صعوبات جمة في الاندماج السوسيو-اقتصادي نتيجة لضعف المؤهلات المهنية أو العوائق اللغوية، مما جعلهم لقمة سائغة لشبكات الجريمة المنظمة المحلية والعابرة للحدود التي امتهنت “صناعة التسول”. هذه العصابات تستغل الثغرات القانونية في مراقبة الفضاء العام وتعتمد على أساليب ترهيب واحتجاز للوثائق وفرض إتاوات على المهاجرين المستغلين، مستغلين الطابع الروحاني للمجتمع المغربي الذي يميل بطبعه إلى إعانة عابر السبيل والمحتاج.
​ولمواجهة هذا الوضع المعقد، لا يمكن الاكتفاء بالمقاربة الأمنية الصرفة رغم أهميتها القصوى في تفكيك شبكات الاتجار بالبشر واستغلال الأطفال والنساء في الاستجداء، بل يستدعي الأمر استراتيجية شاملة ومتعددة الأبعاد. يبدأ الحل من تشديد الرقابة وتطبيق مقتضيات القانون الجنائي المغربي المتعلقة بمحاربة التسول الاحترافي وتجريم استغلال الغير، مع التركيز على ملاحقة الرؤوس المدبرة والشبكات التي تدير هؤلاء المهاجرين وليس الضحايا فقط. وبالموازاة مع ذلك، يتعين تفعيل برامج إدماج حقيقية بتعاون بين الوزارات المعنية والمنظمات الدولية كالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، تشمل التدريب المهني، وتعليم اللغة، وتسهيل الولوج إلى سوق الشغل المنظم أو دعم المشاريع الصغرى المدرة للدخل، لقطع الطريق أمام شبكات الاستغلال. كما يتطلب الأمر إطلاق حملات توعية وطنية واسعة لتوجيه الصدقات والتبرعات نحو الجمعيات والمؤسسات الخيرية الرسمية المعتمدة بدل منحها مباشرة في الشوارع، وهو ما يسهم بشكل فعال في تجفيف المنبع المالي الذي تتغذى عليه تلك العصابات المنظمة ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين بكافة كرامة وإنصاف.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا