
خيوط المؤامرة وليلة الهبوط في مارماريس:
كانت مارماريس هادئة في تلك الليلة؛ البحر لا يعرف شيئاً عن الانقلاب الذي كان يقترب، والفنادق المطلة على الساحل كانت تستعد لليلة صيفية أخرى.. في إحدى الفيلات القريبة من البحر، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقضي إجازته مع أسرته. لكن في مكان آخر من تركيا، كانت الأوامر تتحرك في الاتجاه المعاكس. لم يكن المخطط يستهدف السيطرة على مؤسسات الدولة وحدها؛ فقد كان أحد أهدافه الوصول إلى الرئيس نفسه. فيلا هادئة على ساحل مارماريس ستتحول في الساعات التالية، إلى مسرح لواحدة من أخطر العمليات التي شهدتها تركيا في ليلة 15 يوليو 2016.
انطلق فريق عسكري نُقل بواسطة ثلاث مروحيات من قواعد مختلفة في إزمير وموغلا، وبلغ إجمالي العناصر العسكرية المشاركة في العملية المباشرة والتخطيط الجوي نحو 37 عسكرياً. ضم الفريق نخبة عناصر منظمة فتح الله غولن داخل الجيش التركي، وتحديداً من قوات البحث والإنقاذ القتالي (MAK)، والقوات الخاصة (Özel Kuvvetler)، والكوماندوز البحري والبري، وكانوا مزودين بأجهزة تنصت متطورة وأسلحة ثقيلة ورؤية ليلية. قاد العملية بشكل مباشر العميد المنشق غوكهان شاهين سونميز أتش، إلى جانب ضباط بارزين مثل المقدم شكري سيمين والنقيب زكريا كوزو.
التفصيل الأكثر غرابة وإثارة في القصة أن الرجال الذين جاءوا للقبض على الرئيس أو قتله وصلوا إلى المكان بعد أن غادره بقليل؛ فقد تلقى الرئيس أردوغان تحذيراً مبكراً ومباشراً أنقذ حياته بفضل تنسيق استخبارات الدولة ورئاسة الأركان اللتين رصدتا تحركات غير طبيعية لقوات النخبة، ليتوجه الرئيس من مكان إقامته إلى مطار دالامان ومنها إلى إسطنبول، قبل هبوط المروحيات الانقلابية بمدة قُدرت بين 15 إلى 20 دقيقة فقط.
بعد منتصف الليل، وصلت المروحيات ونزل منها 23 عنصراً أطلقوا النار في الهواء لإبعاد المدنيين ثم تحركوا نحو الفندق (Grand Yazıcı Club Turban). سأل أفراد القوة أشخاصاً في المنطقة عن مكان إقامة الرئيس ثم واصلوا تقدمهم لاقتحام الغرفة بقيادة النقيب زكريا كوزو، وهناك فوجئوا بغرفة فارغة تماماً، لكنهم أصيبوا بحالة من الهلع عندما اكتشفوا أن الأغطية كانت لا تزال دافئة، مما أكد لهم أن الرئيس غادر للتو، لتتحول مهمتهم السريعة إلى فوضى عارمة وبحث عشوائي.
المواجهات الدامية وفوضى الهروب الكبير:
لم تعد القوة المسلحة تتحرك في فراغ؛ فقد كانت الشرطة قد بدأت بالتحرك، ووقعت مواجهة مسلحة عنيفة بين المهاجمين وقوات الأمن وحراس الرئيس الذين بقوا لتأمين المكان. تحول الفندق والمنطقة المحيطة به إلى مساحة اشتباك، وأسفر الهجوم عن استشهاد شرطيين بطوليين هما رضا تشاغلار وميت حاق تانيش، اللذان تصديا للمجموعة المسلحة وأعاقا حركتها.
وفي تلك اللحظة لم يعد السؤال: كيف يصلون إلى أردوغان؟ بل أصبح: كيف يخرجون من مارماريس؟ لكن المروحيات لم تعد تنتظرهم وغادرت المكان خوفاً من الاستهداف، ليجد أفراد القوة أنفسهم على الأرض بعيدين عن وسيلة النقل، وبدل العودة إلى القاعدة، هربوا ليس عبر الطرق بل نحو الغابات والجبال الوعرة في مارماريس، يحملون أسلحتهم وذخيرتهم ويحاولون الاختفاء.
تحولت تركيا كلها تقريبا إلى شبكة بحث من شرطة ودرك وقوات خاصة ومراقبة جوية. تخلص بعضهم من هواتفهم خوفاً من الرصد، فيما تركوا وراءهم آثاراً كثيرة من أسلحة وذحائر ومركبات. ومع مرور الأيام، بدأ أفراد المجموعة يتساقطون واحداً بعد الآخر. عُثر على بعض الفارين في أماكن اختباء بدائية، فيما تمكن آخرون من الانتقال إلى مناطق أخرى قبل أن تطالهم يد الأمن، وظل بعض العناصر هاربين لسنوات طويلة ومدرجين على النشرة الحمراء، ومن بينهم بوركاي كاراتيبي الذي اختفى منذ ليلة 15 يوليو 2016 وظل اسمه ضمن المطلوبين طوال عقد كامل.
عدالة المحاكم وسقوط آخر الفارين:
لم تنتهِ قصة مارماريس عند الغابة، بل انتقلت إلى قاعات المحاكم. كان ملف القضية ضخماً، وشمل عشرات المتهمين، وتناول محاولة استهداف الرئيس، والانتهاكات المرتبطة بمحاولة الانقلاب، ومقتل رجال الأمن. في القضية الرئيسية بمحكمة موغلا، صدرت أحكام قاسية بحق عدد كبير من المتهمين؛ حيث حُكم على 31 متهماً رئيسياً (من ضمنهم غوكهان شاهين سونميز أتش، وشكري سيمين، وزكريا كوزو) بأربع عقوبات من السجن المؤبد المشدد لكل منهم، بالإضافة إلى عقود طويلة من السجن الفعلي بتهم القتل العمد والإرهاب وانتهاك الدستور، بينما فُصلت ملفات الفارين عن القضية الأصلية بسبب هروبهم.
ثم جاءت لحظة النهاية في صيف 2026. بعد نحو عشر سنوات كاملة من التخفي، أعلنت السلطات التركية في أغسطس 2026 عن القبض على آخر الفارين البارزين، الضابط الطيار السابق بوركاي كاراتيبي، في ولاية أفيون قره حصار. هذه المرة لم تكن المطاردة تعتمد فقط على البحث التقليدي، بل لعبت أنظمة الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف البصري المتقدم على الوجوه التابعة للاستخبارات والأمن دوراً حاسماً؛ إذ تم تحديد هويته بعد مطابقة صور رصدتها كاميرات المراقبة الحضرية مع تقنيات تطور الملامح العمرية، لتقود المتابعة التقنية إلى شبكة معقّدة من الأقارب والمعارف وفرت له المأوى والمؤونة دون استخدام أي وسائل اتصال رقمية. تم القبض عليهم جميعاً وتقديمهم للقضاء، وتُطوى بذلك صفحة المطاردات الميدانية وتُغلق آخر فصول تلك ليلة مارماريس الفاصلة.







