منوعات

​وثائق حرب الرمال.. شرارة الحدود والذاكرة

​تعود الجذور التاريخية لحرب الرمال التي اندلعت بين المملكة المغربية والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية في خريف عام 1963 إلى التركات الاستعمارية المعقدة التي خلّفتها الإدارة الفرنسية في شمال إفريقيا منذ القرن 19؛ إذ لم تكن تلك المواجهة العسكرية الخاطفة وليدة لحظة عابرة، بل كانت نتاج أكثر من 100 عام من الاقتطاعات الجغرافية والخطوط العسكرية المتحركة التي رسمها الضباط الفرنسيون في عمق الصحراء الشرقية. فبعد هزيمة الجيش المغربي في معركة إيسلي سنة 1844، فرضت فرنسا على السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام توقيع معاهدة «للا مغنية» في 18 مارس 1845، وهي المعاهدة التي تعمّدت باريس فيها ترسيم الحدود بدقة على امتداد 160 كيلومتراً فقط من ساحل البحر الأبيض المتوسط حتى منطقة «ثنية الساسي»، بينما تركت المجال الصحراوي الممتد جنوباً دون ترسيم جغرافي، متذرعةً في المادة 4 من المعاهدة بأن «الأرض الصحراوية لا ماء فيها ولا تُزرع، فلا حاجة إلى تحديدها»، مكتفيةً بذكر تبعية القبائل ومضاربها للسلطتين المغربية والفرنسية. غير أن التغلغل العسكري الفرنسي في مطلع القرن 20 نحو واحات توات وكورارة وتديكلت، ثم السيطرة على كولومب بشار والقنادسة، وصولاً إلى دخول القوات الفرنسية مدينة تندوف عام 1934، غيّر الخريطة الميدانية عبر خطوط إدارية وعسكرية أحادية الجانب، عُرفت في الأرشيف العسكري الفرنسي بـ«خط فارنييه» عام 1912 نسبةً إلى المفوض السامي موريس فارنييه، ثم «خط ترانكي» عام 1938 نسبةً إلى الكولونيل ترانكي، قبل أن يكتسب هذا المجال أهمية استراتيجية واقتصادية قصوى في خمسينيات القرن 20 إثر اكتشاف مناجم الحديد الضخمة في «غارا جبيلات» جنوب تندوف باحتياطي قُدّر بنحو 3.5 مليارات طن، ومناجم الفحم والمنغنيز وبوادر النفط والغاز في حوض بشار.
​وعندما استعاد المغرب استقلاله في 2 مارس 1956، حاولت الحكومة الفرنسية استمالة العاهل المغربي الراحل الملك محمد الخامس لترسيم الحدود الصحراوية واسترجاع أجزاء من تلك الأراضي عبر مفاوضات ثنائية مع باريس، مقابل وقف الدعم اللوجستي والعسكري المغربي لجبهة التحرير الوطني الجزائرية وإغلاق القواعد الخلفية لجيش التحرير في وجدة والمنطقة الشرقية. بيد أن الأرشيف المغربي يوثّق رفض الملك محمد الخامس القاطع لما سُمّي حينها بـ«الصفقة المشبوهة»، مفضّلاً إرجاء ملف الحدود إلى ما بعد استقلال الجزائر حتى لا يُسجّل التاريخ أن الرباط فاوضت المستعمر فوق دماء الثوار الجزائريين، وهو الموقف الذي أكده أيضاً زعيم حزب الاستقلال علال الفاسي الذي كان يقود حملة المطالبة بالحدود التاريخية للمملكة من تندوف وبشار إلى نهر السنغال. ورداً على الرفض المغربي، أصدر البرلمان الفرنسي في 10 يناير 1957 قانوناً يقضي بإنشاء «المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية» (OCRS) لفصل الصحراء إدارياً وعسكرياً عن كل من المغرب والجزائر، رغبةً من باريس في الاحتفاظ بالثروات المعدنية والنفطية وبقاعدة التجارب النووية الفرنسية في «رقان» وقاعدة تجارب الأسلحة الكيماوية في «ب2 ناموس» جنوب بشار. وإدراكاً من الرباط لخطورة المناورات الفرنسية، وقّع الملك الشاب الحسن الثاني، بعد أشهر قليلة من اعتلائه العرش، وثيقةً أرشيفية بالغة الأهمية يوم 6 يوليوز 1961 في الرباط مع فرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، نصّت صراحةً على أن «المشكلة الإقليمية التي فرضها الاستعمار الفرنسي تعسفاً بين البلدين ستجد حلها في إطار مفاوضات ثنائية مباشرة بين الحكومة المغربية وحكومة الجزائر المستقلة»، مع الاتفاق على إنشاء لجنة مغربية جزائرية مشتركة تجتمع في أقرب الآجال فور نيل الجزائر استقلالها، والتأكيد على أن أي اتفاقيات قد تبرمها الحكومة الجزائرية المؤقتة مع فرنسا لن تكون ملزمة للمغرب فيما يخص أراضيه التاريخية.
​غير أن الرياح السياسية التي هبّت على الجزائر منذ توقيع «اتفاقيات إيفيان» في 18 مارس 1962 وإعلان الاستقلال في 5 يوليوز 1962 قلبت الموازين رأساً على عقب؛ إذ تنازل الرئيس الفرنسي شارل ديغول عن السيادة الإدارية على الصحراء لصالح الدولة الجزائرية مقابل احتفاظ فرنسا بامتيازات النفط وبقواعدها العسكرية والنووية في الصحراء لمدة 5 سنوات، ثم أطاح تحالف «مجموعة تلمسان» بقيادة أحمد بن بلة وقيادة أركان «جيش الحدود» المرابط بوجدة بقيادة العقيد هواري بومدين بالحكومة المؤقتة التي ترأسها فرحات عباس ثم بن يوسف بن خدة، فصعدت إلى الحكم نخبة ثورية ذات توجه اشتراكي راديكالي تنظر بريبة إلى النظام الملكي المغربي، وتَعدُّ اتفاقية 6 يوليوز 1961 غير ملزمة للدولة الجزائرية الفتية. وتفجّرت أولى الشرارات الميدانية في صيف وخريف عام 1962 بمدينة تندوف، حيث تكشف الوثائق الأرشيفية أن شيوخ قبائل الرقيبات وتجكانت رفعوا الأعلام المغربية ولافتات كُتب عليها «نعم للاستقلال عن فرنسا ولكننا مغاربة» إبّان استفتاء تقرير المصير، وامتنع الكثير من الأهالي عن المشاركة في انتخابات الجمعية التأسيسية الجزائرية في 20 شتنبر 1962، مما دفع قوات الجيش الوطني الشعبي الجزائري إلى التدخل بقوة السلاح لإخماد التمرد القبلي في تندوف، وسط سقوط عشرات القتلى وفرار وفود قبلية نحو الرباط لتقديم البيعة للملك الحسن الثاني والمطالبة بالحماية العسكرية.
​وفي محاولة لاحتواء التوتر المتصاعد، قام الملك الحسن الثاني بأول زيارة رسمية له إلى الجزائر المستقلة ما بين 13 و15 مارس 1963، وهي الزيارة التي يروي تفاصيلها العاهل المغربي في مذكراته «التحدي» و«ذاكرة ملك»، مؤكداً أنه فاتح الرئيس أحمد بن بلة على انفراد بشأن تفعيل اتفاق فرحات عباس، فما كان من بن بلة إلا أن التمس منه الصبر قائلاً: «أرجوك أن تمهلني إلى أن أتمكن من إقامة المؤسسات الدستورية وتسلم مقاليد السلطة رئيساً منتخباً للجمهورية، وحينها سنحل مشكل الحدود بيننا». بيد أن اغتيال وزير الخارجية الجزائري محمد خميستي في 11 أبريل 1963 وتعيين الشاب عبد العزيز بوتفليقة (البالغ حينها 26 عاماً) خلفاً له، تزامن مع تصدع سياسي وإيديولوجي عميق بين العاصمتين؛ فبعد إقرار الدستور الجزائري وانتخاب بن بلة رئيساً في 15 شتنبر 1963، تراجع الرئيس الجزائري عن وعوده وأعلن في خطبه أن «التراب الجزائري كلٌّ لا يتجزأ، وأن الأرض التي حُرّرت بدماء 1.5 مليون شهيد لا يمكن التفاوض بشأن شبرٍ واحد منها». وترافق ذلك مع احتضان الجزائر لمعارضين مغاربة بارزين من «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية» عقب إعلان الرباط في 16 يوليوز 1963 عن اكتشاف مؤامرة لاغتيال الملك وقلب النظام، في حين اندلع في الجزائر يوم 29 شتنبر 1963 تمرد مسلح في منطقة القبائل بقيادة جبهة القوى الاشتراكية بزعامة حسين آيت أحمد والعقيد محند أولحاج، فسارع الرئيس بن بلة ووزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة يوم 30 شتنبر 1963 إلى اتهام المغرب رسمياً بدعم متمردي القبائل وتحريك قواته على الحدود، تلا ذلك طرد آلاف العمال والتجار المغاربة من الغرب الجزائري ومصادرة ممتلكاتهم، وردّت السلطات المغربية بطرد تجار جزائريين من مدينة وجدة.
​ومع حلول الأيام الأخيرة من شتنبر ومطلع أكتوبر 1963، انتقل الصراع من الخطب الإعلامية إلى الرمال الملتهبة؛ إذ أوعز الملك الحسن الثاني والجنرال محمد أوفقير إلى وحدات من القوات المساعدة المغربية المرابطة في «تاكونيت» بالتقدم نحو مركزي «حاسي بيضا» و«تنجوب» للتمركز فيهما، وهما نقطتان استراتيجيتان تقعان في المنطقة الصحراوية غير المرسّمة وتتحكمان في الطريق الحيوي الرابط بين كولومب بشار وتندوف والصحراء الخاضعة آنذاك للاستعمار الإسباني. ورغم انعقاد لقاء طارئ في مدينة وجدة يوم 5 أكتوبر 1963 جمع وزير الخارجية المغربي بالنيابة أحمد رضا كديرة بنظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، توصلا فيه إلى تهدئة مؤقتة والترتيب لقمة ثنائية بين الحسن الثاني وبن بلة، فإن فجر يوم 8 أكتوبر 1963 حمل شرارة الحرب الفعلية؛ إذ شنّت وحدات من الجيش الوطني الشعبي الجزائري هجوماً مباغتاً وعنيفاً على حاميتي «حاسي بيضا» و«تنجوب»، أسفر عن مقتل 10 جنود مغاربة وأسر آخرين واستيلاء القوات الجزائرية على المركزين.
​أوفد الملك الحسن الثاني، الذي اتخذ من مدينة مراكش مقراً لقيادته السياسية والعسكرية، وزير الإعلام والشبيبة والرياضة عبد الهادي بوطالب على جناح السرعة يوم 9 أكتوبر إلى الجزائر العاصمة لتقديم احتجاج شديد اللهجة وتفادي الانزلاق نحو حرب شاملة. ويروي بوطالب في مذكراته «نصف قرن في السياسة» أن لقاءه مع أحمد بن بلة وهواري بومدين اصطدم بجدار صلب، حيث أبلغه بن بلة بنبرة حاسمة أن حاسي بيضا وتنجوب أرض جزائرية، رافضاً أي انسحاب أو تفاوض حول السيادة عليها. وعندما عاد المبعوث المغربي دون نتيجة يوم 10 أكتوبر، عقد الملك الحسن الثاني مجلساً وزارياً وعسكرياً أصدر في أعقابه أوامره إلى القوات المسلحة الملكية، بقيادة الجنرال إدريس بن عمر العلمي، باسترجاع المركزين بالقوة. وفي فجر 14 أكتوبر 1963، تحركت طوابير الجيش المغربي النظامي مدعومةً بمدفعية ثقيلة ودبابات فرنسية الصنع من طراز «إيه إم إكس 13» وغطاء جوي من مقاتلات «فوغا ماجيستير» و«تي 6»، فتمكنت بعد معارك ضارية من دحر القوات الجزائرية واستعادة السيطرة الكاملة على «حاسي بيضا» و«تنجوب»، بل وواصلت تقدمها جنوباً حتى باتت على مشارف مدينة تندوف بنحو 12 كيلومتراً فقط، في مفارقة تاريخية عجيبة شهدت متابعة الحاميات الفرنسية التي كانت لا تزال متمركزة في قواعد بشار ورقان لتفاصيل المعارك عن كثب دون تدخل مباشر.
​أحدث السقوط السريع لحاسي بيضا وتنجوب صدمةً عنيفة في الجزائر العاصمة؛ فالجيش الجزائري، الذي كان يقود أركانه العقيد الطاهر زبيري ويشرف على إمداد جبهته الغربية من وهران الرائد الشاذلي بن جديد والنقيب محمد صالح يحياوي، ورغم تعداده البالغ نحو 48 ألف رجل وخبرته الطويلة في حرب العصابات إبّان الثورة التحريرية، كان لا يزال في طور التحول إلى جيش نظامي ويفتقر إلى الطيران الحربي والمدرعات الثقيلة واللوجستيك الصحراوي، مقارنةً بالجيش المغربي الأصغر عدداً (نحو 35 ألف جندي) والأكثر احترافيةً وتجهيزاً وتسليحاً. وفي يوم 15 أكتوبر 1963، أعلن الرئيس أحمد بن بلة التعبئة العامة، وظهر في اليوم الموالي، 16 أكتوبر، أمام المجلس التأسيسي وفي تجمع شعبي حاشد بساحة الشهداء بالجزائر العاصمة مرتدياً بذلته العسكرية الكاكية إلى جانب وزير دفاعه هواري بومدين، حيث ألقى خطابه الشهير الذي زاوج فيه بين الفصحى والدارجة الجزائرية لاستنهاض الهمم، صارخاً بعبارته التي خلدتها الأرشيفات السمعية البصرية: «حكرونا! حكرونا المراركة!»، داعياً قدماء المجاهدين إلى حمل السلاح والتوجه إلى الحدود تحت شعار «السلاح.. السلاح.. إلى الحدود»، ومتعهداً بعدم خلع الزي العسكري حتى دحر ما سماه «العدوان الإمبريالي الإقطاعي». وقد نجح هذا الخطاب التعبوي في توحيد الجبهة الداخلية الجزائرية فوراً؛ إذ أعلن حسين آيت أحمد والعقيد محند أولحاج من تيزي وزو تعليق تمردهما المسلح في منطقة القبائل والالتحاق بصفوف الدفاع عن الوطن، بينما فتحت القيادة العسكرية الجزائرية جبهةً شمالية جديدة يومي 15 و18 أكتوبر عبر مهاجمة مركز «إيش» الحدودي المغربي وقصف واحة «فكيك» بالمدفعية لتخفيف الضغط العسكري الخانق عن جبهة تندوف جنوباً.
​وفي الضفة الأخرى، ألقى الملك الحسن الثاني خطاباً تاريخياً من مراكش وجّه فيه رسائل حاسمة إلى الداخل والخارج، ومما جاء في خطابه ورسالته الاحتجاجية إلى الرئيس بن بلة: «إن المغرب لم يكن يوماً بلداً معتدياً، ولقد برهنّا بالأمس القريب على وفائنا لأخوة الكفاح، غير أن كرامة المغرب ووحدة ترابه فوق كل اعتبار، ولن نقبل أن يُكافأ صبرنا ووفاؤنا بالاعتداء على مراكزنا وقتل جنودنا، فمن طرق بابنا بالسلاح وجدنا له بالمرصاد». وشهد المغرب بدوره التفافاً شعبياً وسياسياً واسعاً حول المؤسسة الملكية، تزعمه حزب الاستقلال والحركة الشعبية، باستثناء المهدي بن بركة، زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المقيم في المنفى، الذي أصدر بياناً من القاهرة في 16 أكتوبر ندد فيه بالحرب ووصفها بأنها «حرب رجعية تستهدف ضرب الثورة الجزائرية وإلهاء الشعب المغربي عن أزمته الداخلية»، وهو الموقف الذي كلّفه حكماً غيابياً بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى من قِبل المحكمة العسكرية بالرباط في نونبر 1963. ومن التفاصيل العسكرية الدقيقة التي كشفها الأرشيف المغربي ومذكرات الحسن الثاني أن الجنرال إدريس بن عمر العلمي أبرق إلى الملك يستأذنه في اقتحام مدينة تندوف بعد أن أصبحت مكشوفة عسكرياً أمام القوات الملكية، غير أن الحسن الثاني رفض إعطاء الأمر بدخول المدينة، قائلاً عبارته الشهيرة: «لا تدخلوا تندوف؛ فدخولها عسكرياً أمر يسير، لكن الخروج من تبعاتها السياسية والدبلوماسية سيكون عسيراً»، مدركاً بحسه الاستراتيجي أن احتلال تندوف سيحوّل المغرب في نظر المنتظم الدولي ومنظمة الوحدة الإفريقية الناشئة من «مدافع عن حدوده» إلى «دولة غازية»، وسيمنح حلفاء الجزائر ذريعة لتدويل الصراع عسكرياً.
​وقد اتخذت حرب الرمال بالفعل أبعاداً دوليةً ساخنة جعلتها إحدى بؤر الحرب الباردة في العالم العربي وإفريقيا؛ فقد انحاز الرئيس المصري جمال عبد الناصر كلياً إلى نظام بن بلة الاشتراكي، وشنّت إذاعة «صوت العرب» من القاهرة حملة إعلامية ضارية ضد العرش المغربي، بل وأرسل عبد الناصر جسراً جوياً وبحرياً من الأسلحة السوفيتية وقوات عسكرية مصرية لدعم الجيش الجزائري، في حين أطلق الزعيم الكوبي فيدل كاسترو عملية سرية حملت في أرشيف هافانا اسم «عملية بونو»، أبحرت بموجبها الباخرتان الكوبيتان «أراسيليو إغليسياس» و«غونزاليس لاينز» والسفينة السوفيتية «أرالسك» إلى ميناء وهران أواخر أكتوبر 1963، وعلى متنها وحدة عسكرية كوبية خاصة قوامها 686 جندياً و22 دبابة من طراز «تي 34» و18 مدفع هاون عيار 122 ملم و18 مدفعاً مضاداً للدروع عيار 57 ملم بقيادة الكومندانتي إيفيجينيو أميخيراس، حيث تمركزت في معسكر «سيدي الشحمي» بضواحي وهران استعداداً لدخول المعركة إلى جانب الجزائر. وفي المقابل، تكشف الوثائق السرية المفرج عنها لوكالة الاستخبارات المركزية والخارجية الأمريكية أن إدارة الرئيس جون كينيدي، قبل أسابيع قليلة من اغتياله، رفضت تلبية طلب مغربي للحصول على إمدادات جوية عسكرية عاجلة، خشية أن يدفع التدخل الأمريكي المباشر نظام بن بلة إلى التحول نحو قاعدة سوفيتية وكوبية دائمة في حوض المتوسط. وفي خضم هذا التدخل الإقليمي، سُجلت يوم 20 أكتوبر 1963 إحدى أكثر الوقائع إثارةً في أرشيف الحرب، حين اضطرت مروحية عسكرية جزائرية للهبوط خطأً داخل التراب المغربي في منطقة «عين الشعير» بضواحي بوعرفة وفكيك، وعلى متنها 4 ضباط جزائريين و5 ضباط سامين من القوات الجوية والاستخبارات المصرية كانوا في مهمة استطلاعية لدراسة مسرح العمليات، وكان على رأس هؤلاء الضباط المصريين العقيد طيار محمد حسني مبارك، الذي أصبح لاحقاً رئيساً لجمهورية مصر العربية. وقد عرض الوزير عبد الهادي بوطالب الضباط المصريين الأسرى وجوازات سفرهم الرسمية أمام الصحافة الدولية في مراكش بعد محاولتهم الأولية التظاهر بأنهم صحفيون، وهو الحدث الذي دفع المغرب إلى قطع علاقاته الدبلوماسية مع كوبا واستدعاء سفيره من القاهرة وسوريا، وإن كان الملك الحسن الثاني قد استثمر ورقة الأسرى المصريين لاحقاً ببراعة سياسية فائقة حين اصطحب حسني مبارك ورفاقه معه إلى قمة الجامعة العربية بالقاهرة في يناير 1964 وسلمهم للرئيس عبد الناصر دون قيد أو شرط عربوناً لطي صفحة الخلاف.
​ومع احتدام المعارك في جبهتي حاسي بيضا وفكيك، وتزايد المخاوف الإفريقية والغربية من تحول النزاع إلى حرب إقليمية مدمرة مع اقتراب الدبابات الكوبية من الجبهة، تحركت الدبلوماسية الإفريقية بقيادة إمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي، الذي كان في زيارة رسمية للمغرب منتصف أكتوبر، والرئيس المالي موديبو كيتا. وبعد اتصالات مكوكية شاقة وإخفاق اجتماع أولي في مراكش يوم 20 أكتوبر، نجح الزعيمان الإفريقيان في إقناع الملك الحسن الثاني والرئيس أحمد بن بلة بالجلوس إلى طاولة مفاوضات مباشرة في العاصمة المالية باماكو يومي 29 و30 أكتوبر 1963. وتوثق محاضر «مؤتمر باماكو» أجواء التوتر الشديد التي سادت الجلسات الأولى حين فُردت الخرائط العسكرية على الطاولة؛ إذ حاجج الملك الحسن الثاني بأن الوثائق الرسمية الفرنسية ذاتها لم تطلق قط على خطي «فارنييه» و«ترانكي» تسمية «الحدود الدولية»، بل وصفتهما حرفياً بأنهما «خطوط عمليات ومراقبة شرطية»، قبل أن يثمر الضغط الإفريقي توقيع الزعماء الـ 4 (الحسن الثاني، وأحمد بن بلة، وهيلا سيلاسي، وموديبو كيتا) يوم 30 أكتوبر 1963 على «اتفاق باماكو» التاريخي، الذي قضى بوقفٍ فوري لإطلاق النار ابتداءً من ليلة 1 إلى 2 نونبر 1963، وتشكيل لجنة عسكرية رباعية من ضباط مغاربة (بقيادة الكولونيل محمد مذبوح) وجزائريين وإثيوبيين وماليين لتحديد منطقة منزوعة السلاح، ونشر مراقبين عسكريين من إثيوبيا ومالي للسهر على احترام الهدنة في تلك المنطقة، فضلاً عن دعوة مجلس وزراء خارجية منظمة الوحدة الإفريقية إلى عقد دورة استثنائية عاجلة في أديس أبابا لتشكيل لجنة تحكيم خاصة تتولى تحديد المسؤوليات في اندلاع القتال ودراسة جوهر النزاع الحدودي وتقديم مقترحات لحله.
​ورغم أن المدفعية عادت لتدوي بعنف حول واحة فكيك ومرتفعات بني ونيف يوم 1 نونبر 1963 في محاولة أخيرة من كل طرف لتحسين مواقعه التفاوضية قبل سريان الهدنة، فإن وقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ الفعلي ما بين 2 و5 نونبر 1963، لتضع الحرب أوزارها بعد زهاء شهر من القتال الذي خلّف، وفق التقديرات الأرشيفية المتقاطعة، مئات القتلى والجرحى من الجانبين (تحدثت المصادر الجزائرية عن نحو 300 إلى 850 قتيلاً، بينما قُدرت الخسائر المغربية بنحو 39 إلى 200 قتيل)، إلى جانب نحو 379 أسيراً جزائرياً ونحو 50 أسيراً مغربياً. وفي الفترة ما بين 15 و18 نونبر 1963، اجتمع وزراء خارجية منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا، حيث ألقى كل من أحمد رضا كديرة وعبد العزيز بوتفليقة مرافعات مطولة استند فيها المغرب إلى الحجج التاريخية والاتفاقيات الثنائية الموقعة قبل الاستقلال، بينما استندت الجزائر إلى مبدأ «قدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار»، وأسفر الاجتماع عن تشكيل لجنة التحكيم الخاصة المؤلفة من 7 دول هي: إثيوبيا ومالي والسنغال وساحل العاج والسودان وتنجانيقا ونيجيريا. وتُوجت المساعي العسكرية والدبلوماسية بتوقيع اتفاق نهائي لفض الاشتباك في 20 فبراير 1964، تراجعت بموجبه القوات المغربية عن حاسي بيضا وتنجوب إلى مواقعها السابقة قبل 1 أكتوبر، مقابل انسحاب القوات الجزائرية من المرتفعات المطلة على فكيك ومركز إيش، وإقامة المنطقة العازلة منزوعة السلاح، ثم جرى تبادل الأسرى بين البلدين في منتصف أبريل 1964.
​وهكذا انتهت حرب الرمال عسكرياً بالعودة إلى الوضع الميداني الذي كان قائماً قبل اندلاعها دون تغيير في الخريطة الحدودية، ونجحت الجزائر دبلوماسياً في تكريس مبدأ «الحدود الموروثة عن الاستعمار» خلال قمة منظمة الوحدة الإفريقية بالقاهرة في يوليوز 1964، في حين كسب النظام الملكي المغربي تفوقاً ميدانياً عسكرياً وتلاحماً داخلياً قوياً. ورغم أن البلدين طويا صفحة التوتر لاحقاً بتوقيع «معاهدة إفران» لحسن الجوار والأخوة في 15 يناير 1969 بين الملك الحسن الثاني والرئيس هواري بومدين (الذي أطاح ببن بلة في انقلاب 19 يونيو 1965)، ثم توقيع «اتفاقية الرباط» لترسيم الحدود والاستغلال المشترك لمنجم غارا جبيلات في 15 يونيو 1972، فإن جراح خريف 1963 ظلت حاضرةً في العقيدة العسكرية والسياسية للبلدين، لتبقى حرب الرمال في الأرشيف المغاربي نقطة التحول المفصلية التي صاغت معادلات التنافس الإقليمي وألقت بظلالها الثقيلة على مسار العلاقات المغربية الجزائرية لعقود طويلة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا