
شهد البرلمان المغربي خلال الأسبوع الجاري (وتحديداً في جلسة الثلاثاء 13 يناير 2026 وما تلاها من نقاشات يوم الأربعاء 14 يناير) لحظة مفصلية في مسار الإصلاح الاجتماعي، حيث تمت المصادقة بالأغلبية على مشروع القانون رقم 54.23، الذي يضع حداً لاستقلالية “الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي” (CNOPS) ويدمجه ضمن “الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي” (CNSS).
أولاً: جوهر القرار وأهدافه الاستراتيجية
بموجب هذا القانون، سيتم الانتقال من نظام التدبير المتعدد إلى نظام الهيئة الموحدة. الهدف الأساسي هو:
توحيد تدبير التأمين الإجباري (AMO): لتجنب التشتت بين القطاعين العام والخاص.
إنقاذ نظام “الكنوبس”: الذي عانى مؤخراً من عجز مالي بنيوي، ودمجه مع صندوق “الضمان الاجتماعي” الذي يتمتع بوضعية مالية أكثر استقراراً وفائضاً مريحاً.
العدالة في التعويض: السعي نحو توحيد سلال العلاجات والتعريفة المرجعية لضمان مساواة جميع المواطنين أمام خدمات الصحة.
ثانياً: ماذا سيغير القانون للمنخرطين؟ (مكتسبات والتزامات)
طمأنت الحكومة واللجان البرلمانية المنخرطين عبر النقاط التالية:
الحفاظ على المكتسبات: الموظفون الحاليون في القطاع العام سيحتفظون بكافة حقوقهم السابقة، ولن يطرأ تغيير سلبي على نسب التعويض.
تمديد سن استفادة الأبناء: في خطوة اجتماعية هامة، تمت المصادقة على رفع سن استفادة الأبناء المتمدرسين من التغطية الصحية كذوي حقوق من 26 سنة إلى 30 سنة.
مصير التعاضديات: لن تُحذف التعاضديات (مثل تعاضدية التعليم أو الأمن)، بل سيتحول دورها.
ستتوقف عن تدبير “التغطية الأساسية” وتتفرغ لتدبير “التغطية التكميلي” والخدمات الاجتماعية، مع إمكانية بقائها كـ “وسيط” أو نقطة اتصال لاستلام الملفات من المنخرطين في الفترة الانتقالية.
إلغاء نظام “أمو طلبة”: سيتم دمج الطلبة ضمن نظام ذويهم أو نظام “أمو تضامن” لتبسيط المساطر وتقليل الهدر المالي.
ثالثاً: كواليس البرلمان والمعارضة (أحداث الأربعاء)
رغم المصادقة، لم يمر القانون دون “مقاومة” سياسية ونقابية:
الطعن الدستوري: تدرس فرق المعارضة (الفريق الاشتراكي والعدالة والتنمية) وضع مذكرة طعن لدى المحكمة الدستورية، معتبرين أن القانون تم “تسريعه” دون تشاور كافٍ مع المركزيات النقابية.
وضعية الموظفين: أكد القانون على نقل كافة مستخدمي “كنوبس” إلى “الضمان الاجتماعي” مع ضمان كامل حقوقهم الإدارية والتقاعدية، لتبديد مخاوف الشغيلة داخل الصندوقين.
رابعاً: الجدول الزمني ومراحل التنفيذ
العملية لن تتم بين عشية وضحاها، بل وفق الجدولة التالية:
المرحلة الحالية: بعد مصادقة مجلس النواب، يُنتظر استكمال المسطرة في مجلس المستشارين ثم النشر في الجريدة الرسمية.
الفترة الانتقالية: تم تحديد فترة تصل إلى سنتين لدمج قواعد البيانات الرقمية ونقل الملفات الإدارية.
الإجراء الفوري: على المنخرطين الاستمرار في وضع ملفاتهم وتلقي تعويضاتهم من مراكزهم المعتادة حالياً حتى صدور بلاغ رسمي يحدد “يوم الانتقال النهائي”.
المغرب يسير نحو نظام “المخاطب الواحد” في الصحة. هذا الدمج ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعادة هيكلة شاملة للدولة الاجتماعية تهدف إلى جعل CNSS هو العماد الوحيد للصحة والتقاعد بالمملكة، مع وعود برفع جودة الخدمات وتسريع وثيرة التعويضات عن الأدوية والعمليات الجراحية.







