
تمثل الأنباء المتواترة من أروقة مجلس الأمن الدولي بشأن التوجه نحو رفع “هيئة تحرير الشام” وما ارتبط بها من مسميات سابقة من قوائم العقوبات، منعطفاً تاريخياً في الدبلوماسية الدولية تجاه الأزمة السورية، وهو تحول لا يمكن قراءته بمعزل عن الواقع الميداني الذي فرضته الحكومة الانتقالية في دمشق برئاسة أحمد الشرع. إن هذا المسار يجسد انتقالاً جذرياً من استراتيجية “العزل والتصنيف” إلى منطق “الاحتواء والواقعية السياسية”، حيث أدركت القوى الكبرى أن استقرار الدولة السورية في مرحلتها الجديدة يتطلب بالضرورة إخراج مكوناتها العسكرية والسياسية الفاعلة من دائرة الحظر الدولي، لتمكينها من ممارسة أدوارها السيادية والأمنية والاقتصادية بشكل طبيعي.
إن العبور من قوائم الإرهاب إلى منصات الاعتراف الدولي بدأ فعلياً بخطوات قانونية مدروسة، انطلقت في نوفمبر 2025 بصدور القرار رقم 2799 الذي قضى برفع العقوبات عن رئيس الحكومة الانتقالية ووزير داخليته، وهي الخطوة التي مهدت الطريق لاحقاً لفك الارتباط المؤسسي مع المسميات القديمة مثل “جبهة النصرة”. هذا الحراك القانوني يعكس توافقاً غربياً تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتان سارعتا لشطب الهيئة من قوائمهما المحلية بعد التأكد من حل التنظيم واندماج مقاتليه في هيكلية الجيش الوطني، مما جعل استمرار العقوبات الدولية عائقاً أمام تدفق المساعدات وإطلاق عمليات إعادة الإعمار الضرورية لتثبيت أركان الاستقرار.
ومع ذلك، فإن تحقيق “الإجماع الكامل” داخل مجلس الأمن لا يزال يواجه تعقيدات ناتجة عن تباين المصالح بين الأقطاب الكبرى؛ فبينما تضغط واشنطن لإتمام الشطب الكلي لدعم شرعية الحكومة الانتقالية ومنع عودة تنظيم “داعش”، تتبنى الصين موقفاً يتسم بالحذر الشديد، حيث امتنعت سابقاً عن التصويت بانتظار ضمانات أمنية ملموسة تتعلق بحماية استثماراتها ومكافحة الجماعات الانفصالية. أما روسيا، فتبدو منخرطة في هذا المسار كجزء من صفقة كبرى تضمن لها الحفاظ على نفوذها وقواعدها العسكرية، مقابل القبول بالخارطة السياسية الجديدة التي يتصدرها الشرع، مما يحول ملف العقوبات من أداة عقابية إلى ورقة مساومة لرسم ملامح سوريا المستقبل.
في الجوهر، نحن أمام مرحلة “إعادة تأهيل” شاملة للمشهد السوري، حيث تُطوى صفحة الماضي كلياً لصالح هوية وطنية جديدة تسعى لتقديم نفسها كشريك موثوق في النظام العالمي. إن نجاح هذا التحول في مجلس الأمن سيعني عملياً انتهاء الحقبة التي كان يُنظر فيها إلى القوى الفاعلة على الأرض كفصائل منبوذة، لتبدأ حقبة “الدولة الشريكة” التي توازن بين إرثها القتالي ومتطلبات الاعتراف الدبلوماسي، مما يفتح الباب أمام عودة سوريا إلى الحضن الدولي ليس فقط سياسياً، بل كساحة اقتصادية واعدة بعد سنوات من العزلة والدمار.







