اسلاميات

قصة موسى والخضر والبحث عن اليقين

تبدأ تفاصيل هذه الملحمة الإيمانية من لحظة فارقة في حياة نبي الله موسى عليه السلام، حين قام خطيباً في بني إسرائيل، ففاضت عيناه ورق قلبه، وسأله سائل من الناس: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ فأجاب موسى بحكم كونه نبياً وكليماً لله بمقتضى الظاهر “لا”، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، وأوحى إليه أن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، فاشتاقت نفس موسى لنهل هذا العلم الذي لم يحط به خبراً، وسأل ربه عن كيفية اللقاء، فجعل الله له علامة في “الحوت”؛ متى فقده فثم العبد الصالح، فانطلق موسى بصحبة فتاه يوشع بن نون، ومعهما الحوت في مِكتل، وسارا في رحلة مضنية غلبت عليها عزيمة موسى الذي قال “لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقباً”، حتى وصلا إلى صخرة عند ملتقى البحرين، وهناك غلبهما النوم، وفي تلك اللحظة وقعت المعجزة، إذ دبت الحياة في الحوت المشوي بقدرة الله، فانسل من المكتل واتخذ سبيله في البحر “سرباً”، أي شق له في الماء طريقاً كالنفق، واستيقظا وواصلا المسير حتى نال منهما التعب والجوع، فطلب موسى الغداء، وهنا تذكر الفتى أن الحوت قد فُقد عند الصخرة، وأن الشيطان أنساه ذكره، فرجعا على آثارهما يقصان الطريق قصاً، حتى وجدا العبد الصالح “الخضر” وهو مسجى بثوبه، فسلم عليه موسى، فتعجب الخضر من السلام في تلك الأرض، وعرف أنه موسى نبي بني إسرائيل، فطلب موسى بصيغة المتعلم المتواضع “هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً”، فجاءه الرد المحمل بالحكمة والتحذير من أن طبيعة علم الخضر لا تتفق مع ظاهر الأحكام التي يعرفها البشر، قائلاً له “إنك لن تستطيع معي صبراً، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً”، ومع إصرار موسى ووعوده بالصبر، بدأت الرحلة المشروطة بعدم السؤال حتى يبتدئ الخضر بالتبيان، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فكلموهم في أن يحملوهما، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول أي بغير أجر كرامة له، وبينما هما في السفينة، عمد الخضر إلى لوح من ألواحها فنزعه، ففزع موسى لمشهد الخرق والماء الذي قد يغرق الركاب، فاعترض قائلاً “أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً”، فذكره الخضر بالشرط، فاعتذر موسى بالنسيان، ثم نزلا من السفينة وبينما هما يمشيان، وجد الخضر غلاماً يلعب مع أقرانه، فأخذه وقتله، فكان هذا الفعل زلزالاً لم يتحمله موسى، إذ كيف تقتل نفساً زكية بغير نفس؟ فجاء الرد أشد “ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً”، فاشترط موسى على نفسه الفراق إن سأل بعدها، حتى وصلا إلى قرية لئام استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، ووجدا جداراً يوشك على الانهيار، فقام الخضر بإصلاحه بيده، فعجب موسى من إكرام من لم يكرموهم، وقال “لو شئت لاتخذت عليه أجراً”، وهنا أعلن الخضر الفراق، وكشف لموسى الحجب التي كانت تخفي الرحمة تحت رداء الضر، فالسفينة كانت لمساكين يعملون في البحر، وكان وراءهم ملك ظالم يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، فكان الخرق عيباً ينجيها من المصادرة، والغلام كان في علمه سبحانه كافراً وسيرهق والديه المؤمنين طغياناً، فأراد الله استبداله بمن هو خير منه، أما الجدار فكان كنزاً ليتيمين صالحين، ولو انهار لظهر الكنز ونهبه أهل القرية اللئام، فكان حفظه حتى يبلغا أشدهما رحمة من الله، ليتعلم موسى والعالم من بعده أن أقدار الله تجري بحكمة لا تدركها الأبصار في وقتها، بل في عواقبها المستورة خلف الغيب، وقد أجمع المفسرون والعلماء على أن هذه القصة هي مدرسة “علم الباطن” و”الفقه بالقدر”، حيث يرى الإمام القرطبي أن الخضر لم يفعل ما فعل عن رأيه بل بوحي إلهي خاص، وهو ما يفسر قوله “وما فعلته عن أمري”، كما استنبط الفقهاء منها آداب الرحلة في طلب العلم والتواضع للمعلم مهما علت منزلة التلميذ، ويرى ابن كثير أن في القصة دليلاً على أن المكروه قد يحمل في طياته النجاة، فخرق السفينة الذي بدا مصيبة كان هو سبب بقائها لأصحابها، وقتل الغلام الذي بدا فاجعة كان حماية لدين الوالدين، وبناء الجدار بلا أجر كان صوناً لحقوق الضعفاء، وهي توضح الفرق بين “علم الشريعة” الذي يمثله موسى والقائم على الظاهر والعدل، وبين “علم الحقيقة” الذي أطلعه الله للخضر والقائم على التدبير الغيبي المسبق، مما يجعل المسلم يسلم لمراد الله في كل ما يصيبه من خير أو شر، مدركاً أن وراء كل خرق في سفينة حياته يد لطف إلهية تحميه من ملك غاصب لا يراه.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا