
في لحظة تحولت فيها شوارع مدينة مودينا الإيطالية من فضاء عادي يعج بالحياة إلى مسرح لفاجعة إنسانية مؤلمة عاد النقاش من جديد داخل إيطاليا حول قضايا الصحة النفسية وحدود المسؤولية المجتمعية في التعامل مع الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية حادة وذلك بعد حادثة الدهس التي خلفت عدداً من المصابين وأثارت صدمة واسعة داخل الرأي العام الإيطالي.
الواقعة التي تورط فيها شاب من أصول مغربية يحمل الجنسية الإيطالية دفعت الكثير من الأصوات إلى المطالبة بالتعامل مع الحادث بعقلانية وهدوء بعيداً عن الأحكام المتسرعة أو محاولات استغلال المأساة لإثارة خطاب الكراهية والعنصرية. فالمعطيات الأولية المتداولة تؤكد أن المعني بالأمر كان يعاني من مشاكل نفسية وعقلية وكان قد خضع في وقت سابق لمتابعة طبية ما يجعل البعد الصحي والنفسي عنصراً أساسياً لفهم ما جرى.
ورغم هول الحادثة وما خلفته من خوف وحزن داخل المدينة فإن عدداً من ممثلي الجالية المغربية بإيطاليا عبّروا عن تضامنهم الكامل مع الضحايا وعائلاتهم مؤكدين إدانتهم المطلقة لهذا الفعل المأساوي الذي لا يعكس قيم المغاربة المقيمين بإيطاليا المعروفين بمساهمتهم الإيجابية داخل المجتمع الإيطالي واحترامهم لقوانين البلاد.
وأكدت فعاليات جمعوية ومدنية أن ربط مثل هذه الحوادث بالأصل أو الدين أو الهوية الثقافية يبقى أمراً خطيراً وغير منصف خاصة عندما يتعلق الأمر بحالات مرتبطة باضطرابات نفسية معقدة يمكن أن تصيب أي إنسان مهما كانت جنسيته أو خلفيته الاجتماعية كما شددت على أن المجتمعات الأوروبية شهدت في فترات سابقة حوادث مشابهة ارتكبها أشخاص من جنسيات وانتماءات مختلفة دون أن يتم تعميم المسؤولية على جاليات بأكملها.
وفي المقابل أعادت هذه الفاجعة إلى الواجهة النقاش حول أهمية العناية بالصحة النفسية داخل المجتمعات الحديثة والحاجة إلى توفير متابعة مستمرة للأشخاص الذين يعانون من أمراض عقلية خاصة أولئك الذين قد يتوقفون عن العلاج أو يعيشون أوضاعاً نفسية واجتماعية صعبة ويرى مختصون أن الوقاية الحقيقية تبدأ من تعزيز خدمات الدعم النفسي وتكثيف المراقبة الطبية والتدخل المبكر قبل تحول المعاناة النفسية إلى خطر على المريض وعلى محيطه.
كما دعت عدة أصوات من المجتمع المدني الإيطالي إلى التحلي بالمسؤولية وعدم الانسياق وراء بعض الخطابات الإعلامية أو السياسية التي تحاول استغلال الحادث لنشر الخوف والانقسام داخل المجتمع مؤكدة أن التعايش والاحترام المتبادل يظلان السبيل الوحيد للحفاظ على السلم الاجتماعي داخل بلد متعدد الثقافات مثل إيطاليا.
وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات بشكل كامل يبقى الجانب الإنساني هو الأكثر حضوراً في هذه المأساة سواء من خلال التضامن مع الضحايا أو عبر الدعوة إلى مزيد من الاهتمام بالأشخاص الذين يعانون في صمت من أمراض نفسية قد تتحول في غياب الرعاية الكافية إلى مآسٍ يصعب احتواؤها.
ومن هذا المنبر نتوجه بقلوب صادقة وبأصدق مشاعر المواساة إلى عائلات المصابين وكل من طالته تداعيات هذه المحنة القاسية مؤكدين تضامننا الإنساني الكامل معهم في هذا الوقت العصيب. إننا إذ نأسف بشدة لما خلفته حادثة الدهس المؤلمة هذه من قلق وصدمة في نفوس الساكنة فإننا نرفع أكف الضراعة متمنين الشفاء العاجل والكامل لجميع المصابين سائلين لهم ولذويهم السكينة والطمأنينة ونتطلع إلى أن تظل قيم التآزر والوعي المجتمعي هي الحصن الذي يضمن سلامة الجميع ويحمي روح التعايش.
إن السلم الاجتماعي في بلد متعدد الثقافات كإيطاليا هو بناء هش يتطلب رعاية دائمة وعندما تقع مثل هذه الحوادث تصبح المسؤولية جماعية بدءاً من وسائل الإعلام التي يجب أن تترفع عن الإثارة وصناعة الخوف وصولاً إلى النخب السياسية المطالبة بعدم استثمار دماء الأبرياء لكسب نقاط سياسية عابرة في نهاية المطاف تبقى مأساة مودينا صرخة لإيقاظ الوعي صرخة من أجل رعاية صحية نفسية تحمي الجميع ومن أجل تضامن إنساني عابر للهويات يحافظ على اللحمة المجتمعية.











