
تجاوزت أسعار الأضاحي في المغرب خلال المواسم الأخيرة حدود القدرة الشرائية للمواطن البسيط، لتتحول هذه الشعيرة الدينية والاجتماعية من فضاء للبهجة والتلاحم إلى ساحة مكشوفة لـتجاذبات سياسية واقتصادية معقدة، كشفت بوضوح عن عمق الفجوة الطبقية وأثارت تساؤلات حارقة حول كفاءة التدبير الحكومي للأزمات المركبة. وفي قلب هذا المشهد الساخن، برزت علاقة جدلية ثلاثية الأبعاد بين الحكومة كجهة تشريعية وتنفيذية مسؤولة عن ضبط التوازنات، و”الشناقة” أو الوسطاء كقوة اقتصادية غير مهيكلة تفرض منطقها الخاص على الأسواق، والشعب بمختلف فئاته الذي وجد نفسه تحت وطأة كماشة تفتقر إلى المرونة. وتستدعي القراءة السياسية العميقة لهذا الوضع تفكيك الأدوار والمسؤوليات، حيث يرى الكثير من المحللين أن تفاقم الأسعار إلى أرقام قياسية وعجز فئات واسعة عن إيجاد الأضحية ليس مجرد نتاج عابر لسنوات الجفاف المستمر وارتفاع أسعار الأعلاف عالمياً، بل هو انعكاس مباشر لاختلالات بنيوية في آليات الرقابة والتوزيع وتوجيه الدعم المالي. لقد تبنت الحكومة سياسات استيرادية استعجالية تضمنت تقديم دعم مالي مباشر للمستوردين بهدف إغراق السوق وتخفيض الأسعار، لكن هذه المقاربة اصطدمت بواقع ميداني مرير أكد أن الأثر الإيجابي لم يصل إلى المواطن ذي الدخل المحدود ولا حتى إلى “الكسّاب” الصغير المنهك، بل استقر في ريع كبار المنمين والمضاربين. وهنا يظهر الدور المحوري لـ “الشناقة” الذين يتحركون في مساحات رمادية مستغلين غياب أسواق نموذجية ومقننة وآليات تتبع رقمية وصارمة من المزرعة إلى المستهلك، مما أتاح لهم التحكم التام في بورصة الأسعار ومضاعفتها في غضون أيام قليلة بناءً على منطق الاحتكار والمضاربة، ليتحولوا سياسياً واقتصادياً إلى جدار عازل يحجب مفعول أي إصلاح أو دعم عمومي ويفرغه من محتواه الاجتماعي. هذا الاختلال البنيوي وضع الأغلبية الصامتة من الطبقة المتوسطة والفقيرة في مواجهة عجز مادي غير مسبوق ضرب في الصميم مفهوم “الأمن الاجتماعي” و”الرضا الشعبي”، إذ يمثل عيد الأضحى في الوجدان المغربي صمام أمان تاريخي وحلقة وصل أساسية للحفاظ على السلم السوسيولوجي؛ وحينما يصبح اقتناء كبش العيد هماً يؤدي إلى تعميق الديون أو الاستسلام للإحباط والحرمان، فإن ذلك يغذي منسوب الاحتقان الشعبي ويعمق أزمة الثقة المزمنة بين المواطن والمؤسسات التنفيذية، مما يؤكد أن مواجهة هذا التغول التجاري والسياسي تتطلب أبعد من الحلول الترقيعية الموسيقية، وتستلزم إرادة سياسية حقيقية لإعادة هيكلة القطاع الرعوي وحماية السيادة الغذائية للمملكة بما يضمن كرامة المستهلك الصغير قبل مصالح كبار المستثمرين.







