مال و أعمال

حرب هرمز وأوكرانيا تخنقان خطوط الشحن العالمية

تشهد الأسواق المالية العالمية في هذا اليوم، الأربعاء السابع والعشرين من مايو لعام 2026، واحدة من أعقد الأزمات الهيكلية منذ عقود. لم يعد المشهد مجرد تضخم عابر أو تقلبات دورية، بل نحن أمام إعادة هندسة قسرية للاقتصاد الجيوسياسي، فالصراع المستمر في أوكرانيا، تزامناً مع الانفجار العسكري في الشرق الأوسط الذي أدى إلى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز حيث تراجعت التدفقات النفطية بنسبة 81% من 20 مليون برميل يومياً إلى نحو 3.8 مليون برميل فقط، خلقا معاً عاصفة كاملة خنقت خطوط الشحن، ورفعت كلف الإنتاج، وأعادت صياغة مفهوم الملاذات الاستثمارية. تتحرك الأسواق حالياً تحت تأثير صدمة العرض والمخاوف من استمرار الفائدة المرتفعة لفترات أطول، حيث تخلت الأسواق عن تفاؤلها السابق بخفض قريب للفائدة، وبدأت تسعر احتمالات رفعها مجدداً. أصبح المعدن الأصفر الحاكم المطلق للأسواق كملاذ آمن؛ حيث دفعت مشتريات البنوك المركزية الكثيفة وتفاقم المخاطر الجيوسياسية بأسعار الذهب إلى مستويات غير مسبوقة، ويتداول الذهب في نطاق قوي يتأرجح حول 4455 دولاراً للأونصة، بعد أن سجل قمة شهرية خلال مايو عند مستويات 5100 دولار، باتجاه صعودي طويل الأجل، وسط توقعات من مجلس الذهب العالمي باستمرار الزخم نتيجة للغلق المستمر لخطوط الملاحة الحيوية وتآكل الثقة في العملات الورقية كأدوات تحوط وحيدة. وفي الأوقات الضبابية، يعود الدولار الأمريكي ليلعب دور الملجأ الأخير، مما يضغط على العملات الرئيسية الأخرى، ويتداول زوج اليورو مقابل الدولار عند 1.1630، متراجعاً بنسبة تقارب 0.8% بعد فترة من التذبذب، ورغم محاولات اليورو الاستقواء بضعف عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات التي هبطت دون 4.6%، إلا أن قرب أوروبا من بؤرتي الصراع (أوكرانيا والشرق الأوسط) يعيق مكاسبها، بينما يواجه الين الياباني ضغوطاً حادة ومستمرة نتيجة الفارق الكبير في أسعار الفائدة وعودة بيع الين، مما يضعه عند مستويات حرجة أمام الدولار. وفي أسواق الطاقة التي تعد المحرك الأساسي للأزمة، استقر خام برنت اليوم عند 94.57 دولاراً للبرميل، مسجلاً تراجعاً مؤقتاً بنسبة 5% عن تداولات الأيام السابقة بعد موجة صعود عنيفة لامس فيها حاجز 111 دولاراً، ورغم هذا التراجع اللحظي، فإن الأسعار تظل أعلى بنسبة تزيد عن 47% مقارنة بمستوياتها في نفس الفترة من العام الماضي، كما يوضح تقرير وكالة الطاقة الدولية أن مخزونات النفط العالمية سحبت 246 مليون برميل خلال شهرين فقط، وهو أسرع معدل سحب تاريخي خارج ظروف الجائحة، مما يعني أن السوق سيعاني من نقص حاد في المعروض حتى لو وضعت الحرب أوزارها قريباً. وإذا كانت الحرب الروسية الأوكرانية قد ضربت سلة غذاء العالم وسوق الغاز الطبيعي والمعادن النادرة في بداية تداعياتها، فإن الصراع الإيراني وإغلاق مضيق هرمز جاء ليمثل ضربة قاضية لقطاعات التصنيع، النقل، والسلع الأساسية من خلال محاور رئيسية، فالأزمة لم تعد محصورة في أسعار النفط الخام؛ بل انتقلت إلى المنتجات المكررة، حيث ارتفعت أسعار وقود الطائرات بنسبة 60%، وشهدت الأسواق نقصاً حاداً في الديزل المشغل لخطوط الشحن البري والبحري، واضطرار السفن للالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح هرباً من التوترات ضاعف زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا، وهو ما ترجم فوراً إلى رسوم وقود إضافية رفعت كلف الشحن إلى مستويات قياسية. وبسبب هذه الأزمات، قفزت توقعات تضخم الأغذية في بريطانيا ودول أوروبا مثلاً لتتجاوز 9% بعد أن كانت التوقعات السابقة مطلع العام تشير إلى 3% فقط، وضرب الشلل التصنيعي قطاعات الكيماويات، السيارات، والتكنولوجيا نتيجة تأخر وصول المواد الخام، وبدأت كبرى الشركات العالمية تضمن في نتائجها المالية للربع الأول خسائر واضحة ناجمة عن اضطرابات التوريد، كما لا تزال الحرب في أوكرانيا تستنزف سلاسل إمداد الأسمدة النيتروجينية والمعادن الأساسية مثل النيون والبلاديوم اللازمين لصناعة الرقائق الإلكترونية، وعند إضافة الشلل الحاصل في الممرات البحرية الشرق أوسطية، ارتفعت أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية في الأسواق بنسب وصلت إلى 30% نتيجة نقص المواد الفعالة وصعوبة الشحن. وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن المشهد ينقسم إلى جبهتين، حيث تحقق الدول المصدرة للطاقة خارج الخليج أو ذات البدائل التصديرية عوائد دولارية استثنائية من مستويات الأسعار الحالية، لكنها تواجه معضلة في تأمين خطوط نقل آمنة وسلاسل إمداد للسلع الغذائية المستوردة، بينما تعيش الدول المستوردة للطاقة ضغطاً خانقاً على موازناتها واحتياطياتها النقدية، حيث تلتهم كلف الشحن والطاقة أي خطط للنمو الاقتصادي، مما يضع الحكومات أمام خيارات صعبة تتمثل في رفع أسعار الفائدة المحلية لمواجهة التضخم المستورد، وهو ما يعيق الاستثمار الخاص. إن الاقتصاد العالمي في منتصف عام 2026 لم يعد يتعامل مع صدمات مؤقتة، بل دخل مرحلة التجزؤ الجيواقتصادي، حيث تبحث الدول والشركات الآن عن أمن التوريد حتى لو كان أعلى كلفة، بدلاً من كفاءة التوريد التي كانت سائدة في عصر العولمة المفتوحة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا