قضايا ومحاكم

التشهير الرقمي وجدلية العقاب الجنائي في عصر التكنولوجيا

​تطرح الطفرة الرقمية الهائلة والتوسع المتسارع في استخدام منصات التواصل الاجتماعي تحديات قانونية وأخلاقية معقدة، يأتي على رأسها تنامي ظاهرة التشهير الإلكتروني التي تحولت من سلوكيات فردية معزولة إلى ممارسات تضرب في عمق السكينة المجتمعية والاعتبار الشخصي للأفراد والمنظمات. وتتخذ هذه الظاهرة أشكالاً متعددة تشمل السب، القذف، ونشر الإشاعات المغرضة أو المعطيات ذات الطابع الشخصي دون موافقة أصحابها، مستغلة في ذلك سرعة الانتشار التي تتيحها البيئة الرقمية وقدرتها على عولمة المحتوى في ثوانٍ معدودة. ومن الناحية القانونية والدقيقة، فإن المشرع لم يعد ينظر إلى هذه الأفعال كجنح عادية، بل أصبحت المنظومات الجنائية المعاصرة تتعامل مع التشهير الرقمي كجريمة مكتملة الأركان تتوافر فيها المكونات المادية والمعنوية، مع تشديد العقوبات نظراً لجسامة الضرر النفسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يلحق بالضحايا وصعوبة محو الأثر الرقمي بالكامل. وتعتمد المحاكم اليوم بشكل أساسي على قواعد الإثبات الحديثة عبر اعتماد الأدلة الرقمية والخبرات التقنية التي تجريها الضابطة القضائية لتحديد الهويات الحقيقية لمرتكبي هذه الجرائم خلف الحسابات المستعارة أو الوهمية. ولا تقتصر التبعات القانونية على العقوبات السجنية والمالية المرتبطة بالحق العام، بل تمتد لتشمل التعويضات المدنية الصارمة لصالح المتضررين لجبر الأضرار المادية والمعنوية الجسيمة. ويجمع الخبراء القانونيون والمحللون على أن مواجهة هذا التدفق من التجاوزات الرقمية لا يتطلب فقط نصاً تشريعياً صارماً وقضاءً مواكباً، بل يستلزم أيضاً وعياً مجتمعياً شاملاً بحدود حرية التعبير التي تنتهي قانوناً وفوراً عند أعتاب المساس بكرامة الآخرين وحياتهم الخاصة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا