عالم المرأة

صولجان الأنوثة حين يتربع على عرش القوة

​تتجلى أعمق معاني القوة الحقيقية عندما تتصالح المرأة مع ذاتها وتدرك أن الصلابة ليست سوى درع مؤقت تفرضه قسوة الظروف ودرب الحياة الطويل، فبينما يعتقد البعض أن القوة تعني الصراع الدائم والند للند، تثبت التجارب الإنسانية أن المرأة القوية حقاً هي التي تمتلك شجاعة اللجوء إلى عذوبتها الكامنة متى ما تطلب الأمر ذلك دون أن تهتز ثقتها بنفسها أو ينقص من قدرها شيء. إن علم النفس الحديث يؤكد أن “المرونة النفسية” هي من أهم سمات الشخصية السوية، وهي القدرة على التكيف مع المتغيرات بذكاء؛ فكما يقول الحكيم لاوتزه: “اللين يغلب القوة، والماء رغم ليونته يشق الصخر بالصبر”، وهذا ما تفعله المرأة حين تختار توقيت الاحتواء بدلاً من المواجهة.
​حين يُطرح السؤال المفعم بالتحدي حول كيفية تصرف تلك المرأة إذا ما التقت برجل يفوقها قوة ويطغى حضوره على كيانها، فإن الإجابة لا تحمل أي معنى للاستسلام، بل تمثل ذروة الوعي والذكاء العاطفي. إن العودة إلى الأنوثة في هذه اللحظة ليست تراجعاً، بل هي إعادة تموضع استراتيجية تسمح للأنوثة بممارسة دورها في السكينة، وهو ما يفسره علم النفس الاجتماعي بأن العلاقات الناجحة تقوم على مبدأ “التكامل لا التماثل”. وكما يقول أوسكار وايلد: “المرأة قوية حين تختار ألا تذوب في الآخرين، بل تظل منارة بحد ذاتها”، وهذا يعني أن اختيارها للخطوة إلى الوراء هو فعل إرادي نابع من القوة، لا ضعفاً ناتجاً عن الخوف.
​إن إرجاع الخطوة إلى الوراء وترك زمام المبادرة للرجل ينم عن ثقة جارفة بالنفس، وإيمان عميق بأن تكامل الأدوار هو السر الحقيقي لاستمرار العلاقات. إن القوة هنا تكمن في قدرة المرأة على إدارة طاقتها، فالعالم النفسي ألفريد أدلر كان يؤمن بأن “التعاون هو الركيزة الأساسية للمجتمع الإنساني”، وإتاحة الفرصة للرجل ليقود في لحظة معينة هو جوهر التعاون العاطفي. المرأة التي تفهم أسرار نفسها لا تخشى أفول نجمها المؤقت، بل تدرك أن السماح للآخر بأن يكون قوياً هو في حد ذاته انعكاس لقوتها الذاتية التي لا تحتاج إلى إثبات دائم أو صراع محموم من أجل الواجهة.
​بهذا التصرف الراقي تضرب تلك المرأة مثالاً حياً على أن القيادة الحقيقية تتطلب فن التنازل الذكي، وأن الأنوثة الحقة قادرة على تطويع أعتى المواقف بلينها وحكمتها. وكما قيل في الأثر: “القوة لا تعني أنك لا تنهزم، بل تعني أنك تنهض بعد كل سقطة”، والمرأة هنا لا تسقط، بل تستريح في عرش أنوثتها لتمنح الحياة ذلك التوازن الساحر القائم على التقدير المتبادل، وتذكرنا دائماً بأن القوة الحقيقية هي تلك التي تسكن في جوهر الروح، لا في مظهر السطوة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا