
لطالما حظي جسد المرأة بمكانة رفيعة في الثقافة العربية القديمة، وشكّل عصب الغزل والقصيد في دواوين الشعراء. ومن يقرأ في مصادر التراث الأدبي والتاريخي العربي يجد أن المقاييس الجمالية عند العرب قديماً كانت تميل بشكل واضح إلى الممتلئة، أو ما يُعرف في الأدب بـ “الخرعوبة” و”البضة”، حيث كانت السمنة المعتدلة دليلاً على رغد العيش والنعمة والرفاهية. غير أن هذا الإعجاب لم يكن مطلقاً دون ضوابط، بل كان العرب يفرقون بدقة بين الامتلاء الجاذب والبدانة المفرطة، وهو ما دفعهم إلى تقدير نوع من “التخسيس” أو الرشاقة الموجهة التي تحافظ على تضاريس الجسد دون ترهل، وهو ما يمكن تسميته في مفهومنا المعاصر بتناسق القوام.
وقد حفلت المصادر الأدبية الكبرى، مثل كتاب “الأغاني” للأصفهاني و”العقد الفريد” لابن عبد ربه، بأخبار وأشعار تعكس هذا التصور الدقيق. فالعرب لم يكونوا يفضلون السمنة التي تغيب معها ملامح الخصر، بل كانوا يتغزلون بالمرأة التي تجمع بين امتداد القامة وهضامة الكشح (دقة الخصر) مع امتلاء الردف والساقين. هذا التوازن الدقيق جعل النساء قديماً يحرصن على الحفاظ على نحافة الخصر بشتى الطرق، بما يشبه حميات التخسيس الموضعية اليوم، لتجنب العيوب التي قد تصم المرأة بالثقل المذموم أو “العبل” المفرط الذي يشوه الحركة والخطوة.
وفي مرآة الشعر الجاهلي والأموي، نجد تصويراً حياً لهذا القوام المثالي. فالشاعر امرؤ القيس يصف معشوقته بـ “مهفهفة بيضاء غير مفاضة”، والمهفهفة هي لطيفة الكشحين دقيقة الخصر، وهو ما يؤكد أن النحافة في مواضع معينة كانت مطلباً جمالياً أساسياً تستخدم النساء لأجله الحيل الرياضية والغذائية البسيطة المتاحة آنذاك. كما يقول الأعشى في معلقته الشهيرة مادحاً هذا التناسق: “صفر الوشاح وملء درعكِ غادةٌ”، فالوشاح يسقط عن خصرها لدقته وضآلته (وهو كناية عن النحافة والتخسيس في هذا الموضع)، بينما يمتلئ الدرع أو الثوب في المواضع الأخرى دلالة على الأنوثة والنعمة.
كذلك، يروي الجاحظ في كتاباته عن طبائع العرب ونظرتهم للجسد، كيف كان الذوق العربي يذم المرأة “المُفَاضَة” وهي التي استرسل بطنها وضخم خصرها، ويرون في ذلك عيباً جسدياً يتطلب العلاج والتعديل. ومن هنا، كان الغزل العربي قديماً بمثابة ميزان دقيق يرفض الهزال الشديد الذي يشبه المرض، ويرفض في الوقت ذاته الترهل والبدانة التي تذهب بالرشاقة، لتظل المرأة العربية القديمة تبحث عن سر جمالها في تلك المعادلة الصعبة التي تتغزل بها الألسن وتخضع لأحكامها الأبدان.
ولبلوغ هذه المعادلة الجسدية الدقيقة، اعتمدت النساء والطب العربي القديم على طرق محددة للتخسيس وضبط قوام الجسم. وتذكر كتب الطب التراثية، وعلى رأسها كتاب “القانون في الطب” لابن سينا، أن علاج زيادة الوزن والترهل كان يعتمد أولاً على تدابير غذائية صارمة تشمل تناول الأغذية “المجففة” وقليلة الرطوبة، والحرص على تناول وجبة واحدة في اليوم مع شرب الخل المخفف بالماء، حيث كان الخل يستعمل قديماً كعنصر أساسي لإذابة الدهون وتقليل رغبة الجسم في الطعام. كما عرفت النساء قديماً استخدام بعض الأعشاب والنباتات الطبية المنحفة، مثل بذور الكتان، ومستحلبات الكمون والزنجبيل، وهي مواد كانت تُشرب بانتظام لمنع تراكم الدهون في منطقة البطن والخصر على وجه الخصوص.
ولم يقتصر التخسيس عند العرب على الحمية والمواد الطبيعية فحسب، بل شكّلت الرياضة والحركة ركيزة أساسية للحفاظ على الرشاقة ونحت القوام. ويشير ابن سينا في مؤلفاته الطبية إلى أن “الرياضة السريعة” والمشي الحثيث على الريق (قبل تناول الطعام) يعد من أنجح الوسائل لتسييل الشحوم الزائدة وتخفيف الوزن. كما كانت النساء في البيئة العربية يعتمدن على الحركة الدائبة وأعمال المنزل، فضلاً عن تدليك مواضع معينة من الجسد بالزيوت الحارة كزيت الخردل، واستخدام الحمامات الساخنة لتعريق الجسم واستفراغ الفضلات والرطوبة الزائدة التي تسبب الترهل، مما يضمن للمرأة الاحتفاظ بخصرها الدقيق وقوامها المتناسق الذي طالما تبارى الشعراء في مدحه وتصويره.







