
إن الرغبة في بلوغ الصحة المستدامة وتطهير البدن من الآفات والعلل شكلت هاجساً أزلياً ومحركاً رئيسياً لجمهرة الأطباء والفلاسفة عبر شتى العصور والحضارات الإنسانية، فمنذ غابر الأزمان، تضافرت جهود الأطباء في البحث عن مستخلصات طبيعية ومواد مفردة أو مركبة تمتلك القدرة المطلقة على إبراء الجسد من عثرات السقم وإعادة التوازن الطبيعي للأخلاط الأربعة التي يقوم عليها البنيان البشري وفق التصور الطبي القديم. وإذا تصفحنا أمهات الكتب التراثية العريقة والمدونات الطبية التي خلفها فاحصو الطبيعة، نجد تقاطعاً مثيراً للاهتمام في تصنيف مواد بعينها جُعلت بمثابة حبل النجاة للبدن من كل داء مستعصٍ إلا ما خطه القلم الإلهي من حتمية الفناء بالموت. وفي طليعة هذه المواد التي أفردت لها كتب الطب النبوي والعربي فصولاً مطولة، تأتي الحبة السوداء التي تُعرف في الديار المغربية باسم السانوج، حيث استند الأطباء القدامى كابن سينا في كتابه القانون والرازي في الحاوي إلى نصوص أثرية ونبوية قطعية تؤكد أن في هذه الحبة الصغيرة شفاء من كل داء إلا السام وهو الموت، وقد أسهبوا في وصف خصائصها مؤكدين أنها تقوي الطاقة الحيوية الكامنة في الجسم، وتذهب الأورام الجاسية، وتحفز الأعضاء الباطنية، وتنقي الرئتين والجهاز الهضمي من البلغم والرطوبات اللزجة. ويلحق بها في المرتبة والمنزلة عسل النحل الطبيعي، أو ما يُصطلح عليه في العرف المغربي بالعسل الحر، لا سيما الأنواع المستخلصة من نباتات برية حارة كالدغموس أو الزعتر أو الجعدة؛ إذ لم يكن العسل في نظر الأقدمين مجرد مادة غذائية حلوة، بل كان يُنظر إليه بوصفه جامع الشفاء ومُصلح الأمزجة الفاسدة، فهو الدواء مع الأدوية والغذاء مع الأغذية، ويمتاز بقدرته الفائقة على جلاء الرطوبات وفضول المعدة وتنقية الكبد، فضلاً عن كونه الحامل الأساسي والمذيب المعتمد لتركيب سائر الأدوية المعجونة. وثالث هذه المواد المفردة في الموروث التراثي هو نبات السنا، والمعروف شعبياً بسنامكة أو سنا حرام، وهو عشب حجازي عُرف في تدوينات ابن قيم الجوزية بأنه دواء شريف مأمون الغائلة وقريب الاعتدال، يمتلك خاصية فريدة في استخراج الأخلاط الرديئة المتراكمة في أقاصي الأمعاء وينقي الدماغ، وكان القدماء يرون في تنظيف الجهاز الهضمي بالسنا خط الدفاع الأول لعلاج سائر أمراض البدن لاعتقادهم أن أصل كل داء يبدأ من تخمر الفضلات في البطن.
وإذا رجعنا خطوة أبعد في عمق التاريخ نحو العصور القديمة التي سبقت الفتح الإسلامي، نجد أن الحضارات الإغريقية والرومانية والفرعونية عاشت هوساً مماثلاً في تتبع ما كان يُعرف بالترياق العالمي أو العشبة الشافية لكل علة، حيث برز في كتابات المؤرخ اليوناني هيرودوت والفيلسوف ثيوفراستوس ذكر نبات السيلفيوم الأسطوري الذي كان ينمو حصراً في منطقة قورينا بشمال إفريقيا، وكان الرومان يزنونه بالذهب والفضة ويخزنونه في الخزائن الملكية لإيمانهم بأنه يعافي من الحميات والسموم والأورام والاضطرابات المعوية كافّةً، حتى انقرضت هذه العشبة تماماً في زمان الإمبراطور نيرون نتيجة الإفراط في جنيها ورعيها فاستعاض عنها أطباء الإسكندرية ولاحقاً العرب بنبات صمغي يشابهها في المفعول القوي والرائحة النفاذة وهو الحلتيت ويُدعى في الدارجة المغربية بالخيلتيتة المستعملة لطرد الغازات والمغص. كما خلدت النصوص الرومانية قصة ترياق ميثـريدات المعقد، وهو دواء مركّب ابتكره الملك ميثـريدات السادس ملك بونتوس في آسيا الصغرى ليحصن نفسه ضد الموت مسموماً، وتتكون هذه الوصفة من خلط أكثر من أربعين إلى أربع وخمسين مادة جافة جُمعت بأوزان دقيقة للغاية تُقاس بوحدة الدرخم اليونانية التي تعادل ثلاثة غرامات وواحداً وأربعين جزءاً من الغرام، وتشمل المكونات القُسط الشامي بوزن أربعة وعشرين درخماً، والمرّ النقي بوزن اثنين وعشرين درخماً، والدارصيني والكاشم بوزن عشرين درخماً لكل منهما، بالإضافة إلى مواد بوزن ستة عشر درخماً كالسليخة وبذور الفلفل الطويل واللادن والستيراكس وصمغ الكندر وعصير الخشخاش أو الأفيون الصافي المستعمل بحذر شديد لتسكين الألم، ومواد أخرى بأوزان أقل تتراوح بين اثني عشر وثمانية درخمات كالزعفران والزنجبيل والسُنبل الهندي وجذر الرواند وبذور الشمر والكرفس البري ولحم ثعبان الماء الذي أضيف لاحقاً، وتُعجن هذه المساحيق بثلاثة أضعاف وزنها من العسل الصافي المقشود المقاوم للتعفن ويُشرب منها يومياً ما يعادل حجم حبة الحمص مذاباً في الماء الدافئ. ومن الأدوية المفردة الشهيرة في تلك الحقبة الطين المختوم أو طين جزيرة ليمنوس الذي وصفه أبو الطب أبو قراط والطبيب جالينوس كعلاج سحري للأوبئة والتسمم ونهش الأفاعي، وكان يُحضر بغسل الطين بالماء النقي وتصفيته من الشوائب ثم عجنه بماء الأعشاب كالكرفس وتشكيله في أقراص تزن ما بين ثلاثة إلى أربعة درخمات ويُكبس عليها بختم رسمي يضمن عدم غشها، ثم تُجفف في الظل وتُسحق عند الحاجة لتُشرب مع الخمر الأبيض المخفف بالماء أو لتُطلى بها الجروح لحبس النزيف ومنع العفن بناءً على قدرة السيليكات الطبيعية على الالتصاق بالسموم.
أما إذا أردنا صياغة ترياق آمن، متوفر المكونات في بيوتنا وعطارتنا المغربية، وموثق بدقة بالغة في أمهات كتب الطب القديم لعلاج سموم المعدة والأمعاء على وجه الخصوص، فإننا نجد وصفة السكنجبيل وعسل النحل بالماء الفاتر المقشوع، والتي كانت تُدعى ترياق الفقراء والملوك لسهولة نيلها وعظيم نفعها في طرد الأخلاط الفاسدة الناتجة عن التسمم الغذائي أو فساد الأطعمة. تتكون هذه الوصفة الصيدلانية التاريخية من نسب وزنية دقيقة تُحسب للحصة الواحدة، وتضم نصف درهم طبي من الزنجبيل الجاف المطحون ناعماً وهو ما يعادل غراماً ونصف الغرام تقريباً أو نصف ملعقة صغيرة ملساء، ويمتاز السكنجبيل بحرارته اللطيفة التي تحلل الرياح والغليان وتطرد الفساد من البدن، ويُضاف إليه أوقية طبية قديمة من العسل الحر الصافي وتُعادل ثلاثين غراماً أو ملعقتين كبيرتين، حيث يعمل العسل كجالٍ للأمعاء ومغسل لخمل المعدة وممتص طبيعي للسموم بفضل خصائصه الأسموزية الفائقة، ويُحل هذان المكونان في رطل طبي من الماء النقي الفاتر وهو ما يعادل ثلاثمئة وخمسين مللتراً أو كأسين ونصف كبيرين. وتعتمد طريقة التحضير التراثية الصارمة على وضع العسل مع الماء أولاً في إناء فوق نار هادئة حتى يغلي تماماً، فتظهر على سطحه رغوة كثيفة تُسمى رغوة العسل أو الفضول، ويشترط الأطباء القدامى قشط هذه الرغوة تماماً بالملعقة والتخلص منها لأن نزعها يمنع حدوث المغص ويجعل المزيج سريع النفاذ والعبور نحو الأمعاء، ثم يُرفع الإناء عن النار ويُترك ليبرد قليلاً حتى يصبح فاتراً، وفي هذه المرحلة يُذرّ مسحوق السكنجبيل الناعم فوق المزيج ويُحرك بعناية حتى يتجانس الخليط تماماً. ويقضي البروتوكول الطبي العلاجي بأن يُشرب هذا الترياق كاملاً على الريق في الصباح الباكر، مع الالتزام التام بالامتناع عن تناول أي طعام أو شراب آخر لمدة ساعتين كاملتين على الأقل، مما يتيح للمزيج اللطيف المرور على جدران المعدة والأمعاء الخاوية فيقوم العسل بجذب الرطوبات والسموم الملتصقة بها ويأتي الزنجبيل ليحفز الحركة الدودية للأمعاء وينشط الدورة الدموية المحيطة بها، مما يسفر عن طرد الفضلات السامة والوعثاء المعوية بسرعة وأمان تام عن طريق البول أو التعرق أو الإسهال الطبيعي الخفيف دون إحداث هبوط في طاقة الجسم أو تجريح للأغشية المخاطية الباطنية كما تفعل المسهلات العنيفة، لتبقى هذه الوصفة شاهداً حياً على عبقرية الطب القديم في تسخير أبسط المواد لتأمين أقصى درجات الشفاء والتعافي.







