
يعيش قطاع التربية والتعليم بالمغرب، مع انطلاق الموسم الدراسي الجديد، على إيقاع إصلاحات هيكلية طموحة تتجاوز مجرد التنظيم البيداغوجي لتمس جوهر العملية التعليمية ذاتها؛ حيث أقرت وزارة التربية الوطنية استحداث منصب “الأستاذ المرجعي” في خطوة تهدف إلى الرفع من جودة التعلمات ودعم الممارسات الصفية. ويأتي هذا الإجراء في إطار الرؤية الاستراتيجية الشاملة التي تسعى إلى تكريس ثقافة التكوين المستمر والتأطير الميداني، آملةً في أن يشكل هذا الأستاذ ركيزة أساسية في مرافقة زملائه، خاصة المبتدئين منهم، ونقل الخبرات التربوية التي من شأنها تجاوز الإشكاليات المزمنة التي تعاني منها الفصول الدراسية.
غير أن هذه الطموحات الإصلاحية تصطدم، في كثير من الأحيان، بتحديات الواقع الميداني الذي يطبعه احتقان اجتماعي ومهني متصاعد في عدد من المديريات الإقليمية. فعلى الرغم من التوجيهات الوزارية الهادفة إلى تنظيم الحصص الدراسية وضبط مواقيت الانطلاق بما يراعي الخصوصية القروية والحضرية، إلا أن شغيلة التعليم تعبر عن استيائها من غياب الحوار الاجتماعي الحقيقي، ومن التضيقات الإدارية التي تثقل كاهل المدرس وتبعده عن رسالته النبيلة. وقد تجلى هذا الاحتقان بوضوح في مديريات إقليمية عدة، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة وقفات احتجاجية ومطالبات نقابية ملحة بضرورة مراجعة بعض القرارات المجحفة وتحسين ظروف العمل، مما ينذر بتأثيرات سلبية على السير العادي للدراسة إذا لم يتم تدارك الأمر بسرعة.
إن نجاح الموسم الدراسي الحالي لا يقاس فقط بمدى نجاح إطلاق منصب الأستاذ المرجعي أو انضباط المواقيت، بل بمدى قدرة الوزارة على الإنصات إلى نبض القاعدة التربوية. فالإصلاح الحقيقي لا يُفرض من أعلى إلى أسفل، بل يُبنى على التوافق والثقة المتبادلة بين صناع القرار والمدرسين الذين يمثلون الواجهة الحقيقية للمنظومة. وبالتالي، تبقى الدعوة إلى فتح ورش الحوار الاجتماعي الجاد والفاعل هي المخرج الوحيد لتبديد سحب الاحتقان، وضمان أن يكون “الأستاذ المرجعي” حافزاً للنهوض بالمدرسة المغربية، وليس مجرد إجراء شكلي يضاف إلى كومة القرارات التي لا تجد آذاناً صاغية ولا أرضية خصبة للتطبيق.







