سياحة

​أسطورة الحب ​عرس الأطلس الخالد

​تتربع بلدة إملشيل في قلب الأطلس الكبير الشرقي بالمغرب على هضبة شاهقة تعلو أكثر من ألفين ومئتي متر عن سطح البحر، تابعة إدارياً لإقليم ميدلت ومطوقة بقمم جبلية صخرية تمنحها عزلة مهيبة وطبيعة جبلية عذراء. وتطل هذه الرقعة الجغرافية الآسرة على بحيرتين أسطوريتين هما “إسلي” و”تيسليت”، حيث تنسكب مياههما الهادئة وسط التضاريس الوعرة لتشكلا معلماً بصرياً يختزل ذاكرة المكان ووجدانه الجمعي، في منطقة يحكمها مناخ قاري بارد يكسوها بالثلوج شتاءً ويمنحها خضرة وادعة في أواخر الصيف، لتتحول إلى واحة مرتفعة تروض قسوة الطبيعة.
​يستوطن هذه الجبال قبائل “آيت حديدو” الأمازيغية العريقة، وهم سكان محليون استطاعوا عبر القرون التأقلم مع خشونة التضاريس وقساوة المناخ، متمسكين بنمط عيش تقليدي قوامه الرعي والزراعة المعاشية البسيطة. ويشتهر أهل المنطقة بكرم الضيافة وعفة المسلك، وتتجلى هويتهم في أزيائهم التراثية ذات الدلالات العميقة؛ حيث تتشح النساء برداء “الحنديرة” أو “تاخندفت” الصوفي المزين بالخطوط الزاهية وحلي الفضة والعنبر، بينما يرتدي الرجال الجلاليب الصوفية الثقيلة والعمائم البيضاء التي تدفع صقيع المرتفعات، في مجتمع تسوده روح التعاون والتضامن المعروفة بـ”تويزا” ويسير وفق أعراف قبلية متوارثة تحمي اللحمة الاجتماعية وتصون لغته وتقاليده الأصيلة.
​يعود تاريخ موسم إملشيل، الشهير بـ”موسم الخطوبة”، إلى أسطورة شعبية مفعمة بالحزن والعاطفة، تتناول قصة حب جارفة نشأت بين شاب من فخذة “آيت إبراهيم” وفتاة من فخذة “آيت يعزى”، وهما فصيلان متنازعان من قبائل آيت حديدو حالت العداوات والحروب دون إتمام زواجهما. وتروي الذاكرة الشفوية أن العاشقين ذرفا دموعاً غزيرة من فرط القهر واللوعة حتى تشكلت بحيرتا “إسلي” (أي العريس بالأمازيغية) و”تيسليت” (أي العروس)، قبل أن يفارقا الحياة كمداً في مياههما، مما دفع حكماء القبائل ومجلس “إينفلاس” بدافع الندم إلى إرساء ميثاق صلح تاريخي يقضي بتنظيم ملتقى سنوي تلتقي فيه العشائر في وئام، ويُتاح فيه للشباب والفتيات اختيار شركاء حياتهم بكامل الحرية ورضا العائلات تحت بركة الولي الصالح “سيدي أحمد أوالمغني” كرمز للمباركة والوفاق.
​يتحول هذا الموعد التراثي، الذي يلتئم في شهر شتنبر مع نهاية موسم الحصاد وقبل حلول عزلة الشتاء، إلى عرس جماعي بهيج وسوق تجارية كبرى تنبض بالحياة، إذ تنصب الخيام في الفضاءات المفتوحة وتتقاطر العائلات من شتى القرى المجاورة. وتتوج هذه اللقاءات بإبرام عقود القران رسمياً بحضور العدول لتوثيق الزيجات في مشهد يجمع بين صون العرف القديم وتطبيق القانون الحديث، كما تستعرض الفتيات مكانتهن الاجتماعية من خلال طريقة ارتداء الأوشحة وغطاء الرأس بين العازبات والمطلقات، توازياً مع رواج تجاري واسع لتبادل المواشي والحبوب والمصنوعات اليدوية والزرابي الأمازيغية، بينما تصدح ساحات المساء بإيقاعات رقصة “أحيدوس” المتناسقة وترديد الأشعار التراثية التي تتردد أصداؤها بين الجبال.
​أضحى هذا الموروث الحي عنصر جذب سياحي محوري للمنطقة بأسرها، حيث يتوافد السياح والباحثون وهواة المغامرات الجبلية من المغرب ومن مختلف بقاع العالم لاكتشاف هذا المشهد الإنساني الفريد. وتزدهر في إملشيل السياحة البيئية والثقافية القائمة على استكشاف البحيرات، وممارسة رياضة المشي الجبلي بين الممرات والمضايق الصخرية، والإقامة في النزل التقليدية التي تديرها عائلات محلية تتيح تذوق المطبخ الجبلي وخوض تجربة سفر مفعمة بالأصالة. وتلعب هذه الدينامية السياحية دوراً بارزاً في تحريك الاقتصاد المحلي وفك العزلة التنموية عن قرى الجبل، مقدمة نموذجاً لتناغم التراث اللامادي مع الطبيعة الخلابة التي تحرس أسطورة عشق ما زالت تنبض في وجدان الأطلس.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا