سياسةعربية وشرق اوسط

​خلفيات التصعيد العسكري وتداعياته الإقليمية الخطيرة

يتصدر المشهد الإقليمي والمحلي اليوم تصعيد عسكري غير مسبوق يعيد كتابة قواعد المواجهة بين تحالف دعم الشرعية وجماعة الحوثي، متأثراً بالانهيار التام لمنظومة التهدئة طويلة الأمد التي صمدت منذ أبريل من عام 2022، إثر تعثر المسارات الدبلوماسية ووقوع احتكاكات جوية وميدانية متراكمة أدت إلى إنهاء حالة الهدوء النسبي. لقد رافق هذا التحول الجذري تغير إستراتيجي في عقيدة العمليات الحوثية التي انتقلت من جبهات الاشتباك المحلي إلى إستراتيجية الضغط الشامل، عبر فرض قيود مشددة على الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، واستهداف صادرات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، تزامناً مع تكثيف محاولات قصف العمق الحيوي للمملكة العربية السعودية، وهو ما قابلته القيادة العسكرية للتحالف والقوات المسلحة اليمنية الشرعية بإطلاق عملية واسعة النطاق حملت اسم “فجر اليمن” استهدفت تجفيف منابع التهديد العسكري وتأمين الممرات البحرية الاستراتيجية. وفي قلب هذا المخاض الميداني العنيف، برزت تطورات بالغة الخطورة تمثلت في الهجمات الجوية الموجهة نحو البنية التحتية الحيوية والمطارات المدنية، وعلى رأسها الهجوم المباشر الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالعاصمة السعودية الرياض عبر صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة مفخخة، مما أدى إلى دمار جزئي في بعض مرافق صالات الركاب واشتعال حرائق خلفت أضراراً مادية جسيمة ووقوع ضحايا ومصابين مدنيين تراوحت حصيلتهم بين اثني عشر وخمسة عشر قتيلاً وأكثر من ثلاثمائة جريح من مواطنين ومقيمين من جنسيات عربية مختلفة جراء شظايا الاعتراض وسقوط المقذوفات. وعكست هذه الهجمات التحديات التقنية الكبيرة التي تواجهها منظومات الدفاع الجوي في التعامل مع المقذوفات الموجهة بدقة والمسيّرات منخفضة الارتفاع التي تسلك مسارات أرضية لتفادي الرادارات التقليدية، مما فرض على السلطات العسكرية إعادة هندسة توزيع بطاريات الدفاع الجوي ومنظومات الإنذار المبكر في المدن الكبرى لحماية المرافق الحيوية. وفي المقابل، كشفت التقارير الميدانية عن تنفيذ القوات الجوية التابعة للتحالف عمليات نوعية واسعة النطاق تولت فيها توجيه ضربات مكثفة على مدار الساعة، أسفرت وفق البيانات الرسمية عن تدمير مائة وستة وثلاثين هدفاً عسكرياً شملت منصات لإطلاق الصواريخ الباليستية ومخابئ ومخازن لطائرات مسيّرة ومراكز قيادة وسيطرة في محافظات يمنية عدة كصعدة وتعز والجوف، بهدف شل البنية الهجومية الحوثية وإسناد القوات البرية الشرعية في معاركها المضادة. غير أن الكواليس الاستخباراتية والأمنية تخفي أبعاداً أعمق تتجاوز حدود الجبهة العسكرية المباشرة، إذ تشير تقارير غير معلنة إلى استخدام مسارات بحرية بديلة وتهريب تقنيات توجيه متطورة تجاوزت شبكات الرقابة التقليدية، فضلاً عن وجود تشققات وصراعات نفوذ معقدة داخل معسكر القوى المناهضة للحوثيين، وهي ثغرات استغلها الطرف الآخر لإحداث اختراقات ميدانية غير متوقعة. وعلى الصعيد الدبلوماسي والدولي، تزامنت هذه التطورات مع حراك مكثف واتصالات مغلقة بين عواصم القرار الغربية والإقليمية لبحث خيارات الردع الشامل، تخللتها تلويحات أمريكية وغربية بفرض عقوبات مالية قاسية على شبكات التمويل والتسليح الحوثية، ومساعٍ حثيثة لتفعيل أطر تنسيق دفاعي عابر للحدود لحماية أمن الطاقة العالمي ومواجهة التهديدات السيبرانية والجوية المشتركة، بينما حذرت الأمم المتحدة ومجلس الأمن من عواقب انهيار الهدنة ونزوح مئات الآلاف من المدنيين، مؤكدين أن الحلول الأمنية وحدها لن توقف نزيف الصراع. ومن منظوري الخاص وتحليلي العميق للمشهد، أرى أن هذا التصعيد المتبادل لا يعبر أبداً عن رغبة حقيقية في خوض حرب إقليمية شاملة بقدر ما يترجم حالة اليأس العميق من جدوى المسارات الدبلوماسية التقليدية، بحيث يُستخدم اللجوء إلى القوة الخشنة كأداة ضغط قصوى ومكبر صوت لفرض واقع تفاوضي جديد. إنني أنظر إلى هذه المعارك باعتبارها تُدار على جبهات مزدوجة تتكامل فيها الأدوات العسكرية مع غرف إدارة السرديات الإعلامية، حيث تحمل كل ضربة رسائل مزدوجة للأسواق الدولية والرأي العام العالمي، ما يكشف بوضوح عن هشاشة منظومات الردع المتبادل ويؤكد قناعتي الراسخة بأن الاستقرار الإقليمي المطلق بات باهظ التكلفة، ولا يمكن تحقيقه بالاكتفاء بالحلول الدفاعية المؤقتة، بل يتطلب حصراً مقاربات إستراتيجية جذرية تواجه جذور الأزمة السياسية الحقيقية من أساسها.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا