أراء وكتاب

كوماندوز مغربي يتسلل لمهاجمة كوكب المريخ

​يبدو أن الجهات الأمنية والإعلامية بشرق الحدود أضحت تستعين بمؤلفي مسرحيات الكوميديا السوداء لتبرير شطحاتها السياسية؛ إذ استيقظ المتابعون على بلاغ رسمي يزعم تفكيك شبكة إجرامية تضم واحدًا وستين شخصًا، ادعت السلطات أنهم تسللوا من المغرب إلى تونس جواً ثم دخلوا الجزائر براً وصولاً إلى مدينة وهران، لغاية “زعزعة الاستقرار وتخريب المنشآت الحيوية”. غير أن التدقيق في تفاصيل هذه الرواية يُسقط حبكتها المتهالكة فوراً؛ إذ تبين أن المعتقلين ليسوا سوى خليط من صناع تقليديين وحرفيين وبسطاء يعيشون على التراب الجزائري ويكسبون قوت يومهم بعرق جبينهم، وظهر في صور إيقافهم نساء ورجال يعلو البؤس وجوههم وهم يستغربون الزج بهم في سيناريو لا يعلمون عنه شيئًا. وتكتمل المهزلة في معرض “المحجوزات الخطيرة” التي استعرضتها الشاشات الرسمية بكل فخر؛ إذ لم تتعدَّ هواتف نقالة، وجوازات سفر، وسيارات تحمل لوحات ترقيم جزائرية، وقوارب مطاطية (زودياك) خالية تمامًا حتى من سكين مطبخ أو سلاح أبيض؛ مما يطرح سؤالاً ساخرًا: كيف لخلايا تخريبية عابرة للقارات تستهدف أمن دولة أن تنطلق بصدور عارية وأدوات بناء بسيطة وسيارة مرخصة محليًا؟ إنها رواية تكشف عن غباء إخراجي واضح، وكان الأحرى بصناعها الاستعانة بمخرج سينمائي هاوٍ لحبك القصة بشكل يحترم عقول المشاهدين.
​وانطلاقاً من هذا التخبيص الأمني، يتضح أن اختيار هذا التوقيت بالذات لم يكن مجرد تصادف معزول، بل جاء ضمن هندسة إعلامية تهدف إلى خلق جبهة ثانية للشوشرة والإلهاء الدبلوماسي ضد المغرب؛ تزامناً مع تحركات وتداعيات إقليمية أخرى، وعلى رأسها الترقب لزيارة الملك الإسباني إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. فقد وجد النظام في تحويل الحرفيين والمشغلين المغاربة إلى “شياطين أمنيين” كبش فداء جاهزًا لتوجيه الأضواء بعيدًا عن القضايا الشائكة والإحراجات الخارجية. لكن حبل التلفيق لم يدم طويلاً؛ إذ أفسدت التحركات الحقوقية هذا المخطط الهش، بعدما نسق ناشطون حقوقيون من تونس والجزائر خطوة قضائية وشيكة عبر إعداد دعوى ورسائل موثقة موجهة إلى منظمة العفو الدولية والمؤسسات الحقوقية العابرة للحدود، للمطالبة بفتح تحقيق دولي ومستقل يكشف خلفيات هذا الاحتجاز التعسفي والتهم الباطلة التي لا تصمد أمام أدنى معايير المحاكمة العادلة.
​وفي مقابل هذا الخيال الأمني الواسع، تتجلى المفارقة الأكثر إيلاماً وسخرية حين يُقارب هذا السيناريو بالواقع الكارثي الذي يكابده المواطن الجزائري يومياً؛ فالنظام الذي يصوّر نفسه قادراً على تفكيك شفرات مؤامرة تقودها ورش الزليج والنقش، يقف عاجزاً عن إدارة الأزمات المعيشية البنيوية التي تحولت إلى واقع يومي، بدءاً من انقطاع مياه الشرب عن ولايات بأكملها، ووصولاً إلى الطوابير الممتدة لمئات الأمتار بحثاً عن كيس حليب أو لتر زيت أو مادة السميد، في ظل تضخم متصاعد وغلاء يكتم الأنفاس. إن الهروب المستمر نحو اختراع أعداء وهميين يحملون مطارق ومفكات لا يعكس إلا رغبة في تغطية العجز الاقتصادي بالفوبيا الأمنية، وتأكيداً جديداً تجسده الأيام للجميع بأن المغرب يواجه جارَ سوءٍ يقتات على صناعة المؤامرات الوهمية ليغطي بها على طابور الحليب.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا