
خمس سنوات جديدة، وعناوين كبيرة ترسم ملامح المرحلة المقبلة.. لكن ما الذي يمكن أن يتغير فعلاً في حياة المغاربة مع البرنامج الحكومي 2026–2031؟ بين طموح تحقيق نمو اقتصادي أقوى، وتوسيع فرص الشغل، وتحسين الخدمات الاجتماعية، تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تحمله هذه الولاية من نتائج ملموسة. فالتحدي لا يكمن فقط في تحديد الأهداف، بل في تحويلها إلى خطوات يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية، ويجد من خلالها ما يعزز ثقته في المستقبل.
إصلاح المؤسسات ومحاربة الفساد:
يضع البرنامج الحكومي الجديد إصلاح المؤسسات وتعزيز الحكامة ضمن أولوياته، من خلال مواصلة تحديث الإدارة، وتقريب العدالة من المواطنين، وترسيخ مبادئ دولة الحق والقانون، وتعزيز حماية الحقوق والحريات. كما يتضمن مواصلة الجهود الرامية إلى تحسين أوضاع المرأة، عبر دعم مشاركتها الاقتصادية، ومحاربة العنف ضدها، وتوسيع حضورها في مراكز القرار.
وفي السياق نفسه، يراهن البرنامج على تعزيز الجهوية المتقدمة ومنح الجهات دوراً أكبر في تدبير شؤونها، مع رفع التحويلات المالية الموجهة إليها إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027، إلى جانب مواصلة تنفيذ عقود البرامج بين الدولة والجهات، وتسريع تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري وبرامج التنمية الترابية المندمجة.
أما محاربة الفساد والريع، فتظل من الملفات التي تحظى باهتمام خاص، من خلال استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، وتجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات. كما يتضمن البرنامج إصلاحاً هيكلياً لتنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار، إلى جانب وضع آليات لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في التواطؤ في طلبات العروض، مع إلزام أصحاب الصفقات بتخصيص 30% من قيمتها للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية.
وتكتسي هذه الإجراءات أهمية كبيرة، بالنظر إلى ارتباطها بثقة المواطنين في المؤسسات وبمناخ الاستثمار. غير أن نجاحها سيظل رهيناً بمدى تطبيق القوانين بشكل فعلي، وضمان تكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الهوية والأسرة والمجتمع:
لا يقتصر البرنامج على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، بل يشمل أيضاً قضايا الأسرة والهوية الثقافية وتماسك المجتمع. وفي هذا الإطار، تتجه الحكومة إلى مواصلة تفعيل إصلاح مدونة الأسرة، واعتماد سياسة مندمجة للطفولة والشباب والمسنين، مع تعزيز حماية النساء والأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة، إلى جانب حماية المعطيات الشخصية وتبسيط المساطر المتعلقة بعمل الجمعيات.
كما يولي البرنامج أهمية لمواصلة تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، من خلال إحداث صندوق خاص بقيمة ملياري درهم ولجنة وزارية دائمة، بهدف دعم حضورها في مختلف المجالات.
وبالنسبة إلى مغاربة العالم، يطمح البرنامج إلى وضع سياسة أكثر شمولاً لتعزيز مشاركتهم في الحياة الوطنية، وتطوير التواصل معهم والاستجابة لانتظاراتهم، مع الاستفادة من خبراتهم وإمكاناتهم في دعم التنمية.
وتعكس هذه التوجهات سعياً إلى مواصلة الإصلاحات المرتبطة بالهوية والمجتمع، غير أن أثرها سيقاس بمدى انعكاسها على الحياة اليومية، وبقدرتها على تحقيق توازن بين حماية الخصوصيات الاجتماعية وتوسيع فرص المشاركة والمساواة.
القدرة الشرائية والحماية الاجتماعية :
تظل القدرة الشرائية من أبرز الملفات التي تشغل المغاربة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد حاجيات الأسر. ولذلك، يتضمن البرنامج إجراءات تروم تحسين التموين بالمواد الأساسية، وتقريب المنتج من المستهلك عبر شركات جهوية ومنصات للتجميع والتسويق، وإصلاح مسالك توزيع اللحوم والأسماك، إلى جانب تنظيم العلاقة بين التصدير وتموين السوق الوطنية.
ومن بين التدابير المقترحة، إقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل قيمة فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم بالنسبة إلى المسكن الرئيسي للأسر المستحقة، دون الحاجة إلى تقديم طلب ورقي أو التنقل إدارياً. كما يستهدف البرنامج الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع إعادة استهدافه على أساس الدخل الفعلي وتوسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل.
وفي مجال التقاعد، تقترح الحكومة إصلاحاً شاملاً لأنظمة المعاشات، بهدف تحسين مستوى الاستفادة وضمان استدامة تمويلها. ومن بين الأهداف المعلنة رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم شهرياً، وتمكين الأرملة من الاستفادة من 100% من المعاش الرئيسي للزوج المتوفى، في إطار إصلاح مرتقب يأخذ بعين الاعتبار الحوار مع الشركاء الاجتماعيين والحفاظ على الحقوق المكتسبة.
كما يشمل التوجه الاجتماعي تحسين التغطية الصحية وضمان فعاليتها، مع تطوير منظومة معلوماتية صحية موحدة تسهم في تنسيق الخدمات وتحسين جودتها. فالحماية الاجتماعية لا تتوقف عند توفير التغطية أو الدعم المالي، بل ترتبط أيضاً بقدرة المواطنين على الحصول على العلاج في ظروف مناسبة، وبمدى توفر الخدمات الصحية في مختلف المناطق.
وتبقى هذه التدابير من بين أكثر الإجراءات التي ستخضع لمتابعة المواطنين، لأن أثرها يرتبط مباشرة بميزانية الأسرة وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية. ومن هنا، تبرز أهمية وضوح شروط الاستفادة وضمان وصول الدعم إلى الفئات التي تحتاج إليه فعلاً.
التعليم والسكن..
يحضر التعليم ضمن أولويات البرنامج الحكومي، من خلال مواصلة إصلاح المنظومة التعليمية والرفع من مستوى التحصيل الدراسي. ويستهدف البرنامج رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات الأساسية إلى 80%، بالاعتماد على نموذج «مؤسسات الريادة»، إلى جانب العمل على تحقيق «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق سنة 2030.
وتعكس هذه الأهداف إدراكاً لأهمية التعليم في تحسين فرص الأفراد وتعزيز التنمية، لكن تحقيقها يتطلب أكثر من تحديد النسب المستهدفة، إذ يرتبط أيضاً بجودة التدريس، وظروف اشتغال الأطر التربوية، وتوفير الإمكانات اللازمة للمؤسسات التعليمية، خاصة في المناطق القروية والنائية.
وفي مجال السكن، يقترح البرنامج إطلاق مبادرة للسكن القروي تستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن خلال الولاية الحكومية، مع تقديم دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة، إلى جانب مواكبة تقنية مجانية. كما يتجه البرنامج إلى تبسيط مساطر البناء والتعمير في العالم القروي، من خلال إعداد إطار قانوني يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات هذه المناطق.
ويستهدف هذا التوجه تحسين ظروف السكن في العالم القروي، حيث ما تزال بعض الأسر تواجه صعوبات مرتبطة بجودة المساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية. وستظل فعالية هذه المبادرات مرتبطة بمدى قدرة البرامج المعتمدة على الوصول إلى المستفيدين، وبضمان أن تتحول الأهداف المعلنة إلى تحسينات حقيقية في ظروف العيش.
الشباب والتشغيل:
يمثل التشغيل أحد أكبر التحديات المطروحة أمام الحكومة، خصوصاً في ظل تطلعات الشباب إلى الحصول على فرص مهنية مستقرة تتيح لهم بناء مستقبلهم وتحقيق استقلالهم المادي.
وفي هذا السياق، يتضمن البرنامج إطلاق برنامج وطني ابتداءً من سنة 2027، يستهدف تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنوياً من خوض أول تجربة مهنية، إلى جانب رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد سنوياً.
كما تعتزم الحكومة مواكبة 60 ألف مقاولة عبر تسهيل التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية، إلى جانب تفعيل جواز الحركية المهنية لمساعدة الأشخاص الذين يجدون فرص عمل خارج مناطق إقامتهم، وتطوير برامج للسكن بالكراء بأسعار مناسبة.
وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة، لأن التشغيل لا يرتبط فقط بعدد المناصب التي يمكن إحداثها، بل أيضاً بجودة فرص العمل واستقرارها وقدرتها على توفير دخل مناسب. فالتكوين يمكن أن يفتح الأبواب أمام الشباب، لكنه لا يحقق أهدافه كاملة إذا لم يرتبط بحاجيات سوق الشغل ولم تتوفر فرص حقيقية بعد انتهائه.
لذلك، سيظل نجاح هذه المبادرات مرتبطاً بقدرتها على تقليص الفجوة بين التكوين ومتطلبات المقاولات، وتحويل الاستثمارات إلى فرص عمل فعلية، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب الذين يواجهون صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل.
الماء والطاقة والأمن الاستراتيجي:
في ظل التحديات المناخية وتزايد الضغط على الموارد المائية، يمنح البرنامج أهمية خاصة للأمن المائي والطاقة. ويشمل ذلك تسريع تطوير الطاقات المتجددة بهدف رفع حصتها إلى أكثر من 52% من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030، إلى جانب تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر ومواصلة تطوير البنية التحتية للغاز.
أما في المجال المائي، فيتجه البرنامج إلى مضاعفة إنجاز السدود، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة والجبلية والواحات، وتسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر بهدف تعبئة 1.8 مليار متر مكعب في أفق 2031. كما يتضمن إعداد مخطط وطني للماء وتطوير مشاريع تحويل المياه بين الأحواض والجهات عند الضرورة، مع مراعاة التوازنات المائية للمناطق المعنية.
وتكتسي هذه المشاريع أهمية متزايدة، بالنظر إلى انعكاسات الجفاف وتراجع الموارد المائية على الفلاحة والاقتصاد والحياة اليومية للمواطنين. لكن نجاحها يتطلب كذلك تدبيراً أكثر استدامة للموارد، والحد من الهدر، وضمان توزيع عادل للمياه بين المناطق والقطاعات.
وفي الجانب الغذائي، يتضمن البرنامج رفع حصة البذور الوطنية من 20% إلى 50% خلال الولاية الحكومية، إلى جانب دعم إعادة تكوين القطيع، وتعزيز المخزونات وضمان تموين السوق بالمواد الأساسية.
كما يشمل تطوير القدرات الرقمية، من خلال إرساء آلية وطنية متكاملة للأمن السيبراني وحماية البيانات والأنظمة الحيوية، وإعداد إطار للذكاء الاصطناعي الآمن والمسؤول. وعلى المستوى الصناعي والاستراتيجي، يتجه البرنامج إلى تفعيل المبادرات الإفريقية والأطلسية، وتوفير شروط تطوير قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية، والعمل على بناء أسطول بحري تجاري وطني قوي وتنافسي.
وتبرز هذه التوجهات رغبة في تقوية استقلالية الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرته على مواجهة التحولات الدولية، غير أن تحقيقها سيحتاج إلى استثمارات مستمرة وكفاءات مؤهلة وتنسيق بين مختلف القطاعات.
اقتصاد أقوى لتمويل الطموحات الاجتماعية:
يراهن البرنامج الحكومي على تحقيق نمو اقتصادي سنوي متوسط بنسبة 5% خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، مع حصر التضخم في حدود 2% سنوياً، وضبط عجز الميزانية في حدود 3% من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة 2026–2031، وخفض المديونية العمومية إلى نحو 62% من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031.
ولتحقيق هذه الأهداف، تتجه الحكومة إلى توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي، والاستفادة من أثر النمو الاقتصادي، إلى جانب مواصلة إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية وتحسين أدائها المالي.
كما يسعى البرنامج إلى رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني، باعتباره أحد المحركات الأساسية لخلق الثروة وفرص الشغل، مع مواصلة دعم المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة وتيسير حصولها على التمويل والضمانات والصفقات العمومية.
وفي قطاع السياحة، يستهدف البرنامج بلوغ 26 مليون سائح بحلول سنة 2030، من خلال خارطة طريق للفترة 2027–2030، إلى جانب مواصلة تحديث الفلاحة، وتعزيز الصناعة والمنتوج الوطني، وتطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
وتعكس هذه الأهداف طموحاً لتعزيز جاذبية الاقتصاد المغربي ورفع قدرته على استقطاب الاستثمارات. لكن النمو الاقتصادي، مهما بلغت نسبته، لا يحقق وحده الأثر الاجتماعي المطلوب ما لم ينعكس على دخل الأسر، ويوسع فرص الشغل، ويساهم في تقليص الفوارق بين الجهات والفئات الاجتماعية.
ومن هنا، فإن الرهان لا يتعلق فقط بتحقيق المؤشرات المالية والاقتصادية المستهدفة، بل أيضاً بكيفية توزيع ثمار النمو وضمان استفادة أوسع للمواطنين منه.
الوعود وانتظارات المغاربة:
يحمل البرنامج الحكومي 2026–2031 مجموعة واسعة من الأهداف، تشمل إصلاح المؤسسات، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتطوير التعليم والصحة، وتوفير فرص الشغل، وتقوية الاقتصاد الوطني. وهي ملفات تمس جوانب أساسية من حياة المغاربة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الإصلاحات.
لكن تعدد الأهداف يطرح في المقابل سؤالاً حول قدرة الحكومة على ترتيب الأولويات وضمان التنسيق بين مختلف البرامج، خصوصاً أن بعض النتائج تحتاج إلى وقت واستثمارات كبيرة حتى تظهر آثارها.
فالمواطن لا ينتظر فقط أرقاماً للنمو أو مشاريع معلنة، بل يتطلع إلى تعليم أفضل لأبنائه، وخدمات صحية أكثر جودة، وفرص عمل تحفظ كرامته، وأسعار تتناسب مع قدرته الشرائية.
لن تتحدد أهمية هذا البرنامج بعدد التدابير التي يتضمنها، بل بمدى تنفيذها وتحقيق النتائج المنتظرة منها. وبين الطموحات المعلنة وانتظارات المغاربة، سيظل الأثر الملموس في الحياة اليومية المعيار الأهم لقياس نجاح هذه المرحلة وتعزيز ثقة المواطنين في المستقبل.









