اسلاميات

​ميزان النجاة الأبدي بين هيبة المقام ومجاهدة الهوى

​تتجلى عظمة البيان القرآني في اختزال دستور الحياة الإنسانية ومعارج الفلاح الأخروي في كلمات معدودات، تهز وجدان المؤمن وتضعه أمام حقيقة وجوده ومصيره، ومن أبلغ هذه الآيات قول الله تعالى في سورة النازعات: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. هذه الآية الكريمة لا تقتصر على كونها وعداً إلهياً بالجزاء الأوفى، بل تمثل منهجاً تربوياً ونفسياً متكاملاً، يربط بين استشعار عظمة الخالق في الغيب وبين القدرة على ضبط نوازع النفس في عالم الشهادة، لترسم بذلك الحد الفاصل بين طريقين لا ثالث لهما: طريق الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، وطريق الخشية ومجاهدة الذات، جاعلة من الرقابة الداخلية صمام أمان يعصم الإنسان من الانزلاق في مهاوي الرذيلة والغفلة.
​وقد تعددت الروايات في كتب أسباب النزول والتفسير بالمأثور حول السياق الخاص الذي تنزلت فيه هذه الآية، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين. فقد أورد الإمام القرطبي في كتابه “الجامع لأحكام القرآن” والبغوي في “معالم التنزيل” عن سعيد بن جبير ومقاتل أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أو في مصعب بن عمير وأخيه أبي الروم بن عمير، بينما ذكر آخرون أنها نزلت في رجل من الأنصار استهوته امرأة ذات جمال، فلما خلا بها وهمّ بالمعصية تذكر مقامه بين يدي الله عز وجل يوم القيامة، فارتعدت فرائصه وكفّ نفسه عن الحرام خوفاً من الله، فأنزل الله فيه هذه الآية الكريمة جزاءً لصدق مجاهدته، لتبقى شاهدة على كل من سلك هذا المسلك من المؤمنين إلى يوم الدين، مؤكدة أن النجاة ليست في العصمة من الخطرات، بل في اليقظة عند هجوم الفتن.
​وعند الغوص في بحار التفسير، نجد إمام المفسرين ابن جرير الطبري في “جامع البيان” يفصل معنى “خاف مقام ربه” بأنه خوف العبد من موقفه بين يدي الله عز وجل للحساب يوم القيامة، حيث تُبلى السرائر وتُنشر الصحف، وعضد هذا المعنى الحافظ ابن كثير في تفسيره، ناقلاً عن قتادة ومجاهد أن المراد بالمقام هو الوقوف بين يدي الله عز وجل يوم الحساب، فإذا تذكر العبد ذلك الموقف المهيب انزجر عن المعاصي. بينما أضاف الفخر الرازي في “مفاتيح الغيب” والزمخشري في “الكشاف” بُعداً بلاغياً وعقدياً آخر، مشيرين إلى أن لفظ “مقام” قد يحتمل معنى قيام الرب جل وعلا على عبده بالرقابة والإحاطة والعلم، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، فيجتمع في قلب المؤمن خوفان يورثان الأمان: خوف من رقابة الله الحاضرة في الدنيا، وخوف من الوقوف بين يديه للمساءلة في الآخرة، وهو ما عبّر عنه الربيع بن خثيم حين قيل له في مرضه: ألا ندعو لك طبيباً؟ فقال متذكراً هذه الآية: “قد علمتُ أن دائي الذنوب، ودوائي الاستغفار”.
​ولا يكتمل هذا الخوف القلبي إلا بترجمته إلى سلوك عملي يتمثل في الشطر الثاني من الآية: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، وهنا تتجلى دقائق أقوال السلف الصالح وأئمة التزكية في تشريح حقيقة هذا النهي؛ فقد روى الطبري وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قوله: “أنتم في زمان يقود الحقُّ الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحقَّ، فنعوذ بالله من ذلك الزمان”. وفسر مقاتل بن حيان نهي النفس عن الهوى بأنه زجرها عن المحارم والشهوات التي يبغضها الله، وقال الفضيل بن عياض كلمته المأثورة: “أفضل الأعمال مخالفة الهوى”، بينما صاغ الإمام سهل بن عبد الله التستري قاعدة ذهبية بقوله: “ترك الهوى مفتاح الجنة، لقوله تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى”. وقد التفت الإمام ابن القيم في كتابيه “مدارج السالكين” و”الجواب الكافي” إلى سر الجمع بين الخوف ونهي النفس في هذه الآية، مبيناً أن الهوى يدعو إلى اللذة العاجلة بغض النظر عن العاقبة، ولا يقاوم سلطانَ الهوى في القلب إلا سلطانُ الخوف من الله، فمتى قوي سلطان الخوف وهيبة المقام الإلهي، انكسر سلطان الهوى وتراجعت النفس الأمارة بالسوء، لأن النفس بطبعها تميل إلى الدعة والشهوة، فإذا لُجمت بلجام التقوى استقامت على الصراط.
​وقد توقف أرباب البيان والتفسير التحليلي، كالإمام أبي حيان الأندلسي في “البحر المحيط” وشيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى”، عند الدلالة اللغوية العميقة لمادة “هَوَى” التي تدور في لسان العرب حول معنى السقوط والانحدار من علو إلى سفل، يقال: “هوى النجم” إذا سقط، فكأن التسمية تحمل في طياتها تحذيراً ضمنياً من أن اتباع شهوات النفس المذمومة ليس ارتقاءً بالإنسان ولا تحريراً لإرادته، بل هو هويٌّ بروحه من سماء التكريم الإلهي إلى دركات الانحطاط، ومن هنا جاء التعبير بـ “نهى النفس” بصيغة توحي بأن النفس كائن يخاصم صاحبه ويحتاج إلى خطاب حازم وزجر مستمر، وهو ما عبّر عنه الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين” حين شبّه العقل بفارسٍ يصطاد، والهوى والغضب بفرسٍ وكلبِ صيد، فمتى استسلم الفارس لجموح فرسه هلك، ومتى راضه وأمسك بلجامه بلغ غايته، ولذلك أُثِرَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله البليغ: “ردوا الجهالات إلى السنة، وكفوا الأهواء بالقرآن”.
​ومن أبدع اللطائف البلاغية التي استنبطها العلماء في هذه الآية، المقارنة الدقيقة بينها وبين نظيرتها في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾؛ حيث اكتفى السياق في سورة الرحمن بذكر “خوف المقام” لأنه في معرض تعداد النعم والترغيب، بينما أضاف في سورة النازعات قوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ لأن السياق فيها سياق أهوال القيامة والفصل بين فريقين، فجاءت الزيادة لتفسر حقيقة الخوف الصادق وتميزه عن الخوف الوهمي؛ إذ ليس الخوف المحمود مجرد انفعال قلبي عابر أو دمعة تترقرق عند سماع الموعظة ثم يعود صاحبها إلى غيّه، بل البرهان العملي لصدق الخوف من مقام الله هو كبح جماح النفس عند هبوب رياح الشهوة والفتنة، ولذلك قال الإمام الشاطبي في “الموافقات”: إن الشريعة كلها إنما جاءت لإخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد له اضطراراً.
​كما التفت المفسرون إلى سر التناسب العجيب في المقابلة بين شطري القسمة في السورة؛ ففي جانب الشقاء قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، وفي جانب السعادة قابل “الطغيان” -وهو مجاوزة الحد والاستكبار- بـ “خوف مقام الرب” الذي يورث التواضع والانكسار، وقابل “إيثار الحياة الدنيا” بـ “نهي النفس عن الهوى”، لأن أصل كل معصية وإيثار للفاني على الباقي إنما ينبع من اتباع الهوى، فجعل الله دواء الطغيان هو الخوف من مقامه، ودواء الركون إلى الدنيا هو فطام النفس عن أهوائها، ليخلص القلب من شوائب التعلق بغير خالقه، ويدخل جنة الدنيا المتمثلة في طمأنينة الرضا والسكينة، قبل أن يلج جنة الآخرة التي هي المأوى الحق ومستقر الأبرار.
​وتبلغ الآية ذروة الإعجاز في ربط الجزاء بالعمل في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، حيث استعمل البيان الإلهي أبلغ صيغ التوكيد والحصر؛ فصدّر الجملة بـ “إنّ”، وأتى بضمير الفصل “هي” مع تعريف الطرفين، مما يفيد القصر والاختصاص، ليؤكد أن من آثر رضا الله على هوى نفسه في دار الابتلاء، لم يكن له منزل ولا مستقر يليق بتضحيته إلا جنة المأوى. وقد أشار الإمام الشوكاني في “فتح القدير” والعلامة الطاهر بن عاشور في “التحرير والتنوير” إلى أن اختيار لفظ “المأوى” يحمل دلالة عميقة على السكينة والاستقرار والراحة الأبدية؛ فكما أن هذا العبد قد أتعب نفسه في الدنيا بمنعها مما تشتهي، وعاشت روحه في غربة ومجاهدة مستمرة ضد تيارات الفتن، فإن الله يكافئه بمأوى يجد فيه كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين دون خوف أو نصب، ليكون الجزاء من جنس العمل، فمن خاف في الدنيا أمِن في الآخرة، ومن فطم نفسه عن الهوى الفاني أطلقها الله في نعيم الجنة الباقي، مصداقاً للحديث القدسي الجليل: “وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة”.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا