اسلاميات

حقيقة الشرك بالله في مرآة الدين الإسلامي والشرائع

يُعدّ الشرك بالله عز وجل أعظم الذنوب وأشنع الجرائم الفكرية والعقدية التي حاربتها جميع الرسالات الإلهية والشرائع السماوية، منذ أدم عليه السلام وحتى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم. والشرك في لغة الشرع هو صرف شيء من العبادة التي هي حق خالص لله سبحانه وتعالى إلى غيره، سواء كان ذلك في الدعاء، أو الذبح، أو النذر، أو الخوف، أو الرجاء، أو التعلق بالأسباب المادية على أنها فاعل مستقل بذاته. وقد توافقت نصوص الكتب السماوية المقدسة، من قرآن كريم وسنة نبوية مطهرة وتوراة وإنجيل، على تقديس وحدانية الخالق جل جلاله، والتحذير الشديد من اتخاذ أنداد أو شركاء له، لما يمثله ذلك من طمس للفطرة الإنسانية السليمة، واختلال في ميزان العدالة الكونية والأخلاقية.
​في الدين الإسلامي الحنيف، يُعتبر التوحيد هو الأساس الأعظم الذي تُبنى عليه الأعمال، بينما الشرك هو الجريمة الوحيدة التي لا يغفرها الله لمن مات عليها من دون توبة، قال الله تعالى في محكم تنزيله مقرراً هذا الحكم القاطع: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا”. كما بيّن القرآن الكريم على لسان لقمان الحكيم وهو يعظ ابنه خطورة هذا الفعل الشنيع باعتباره ظلماً عظيماً للنفس وللحق الإلهي في قوله تعالى: “وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ”. وتتوالى الآيات لتؤكد أن مصير المشرك الخلود في النار وحرمان الجنة، كما جاء في سورة المائدة: “إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ”. وفي السنة النبوية الشريفة، تواترت أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم لتحذر من الموبقات والكبائر، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: “أن تجعل لله نداً وهو خلقك”، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر…” الحديث. هذه الأدلة القاطعة توضح بجلاء أن الإسلام جعل حمى التوحيد طاهراً نقياً من أي شائبة تعبدية لغير الله.
​وإذا ما انتقلنا إلى الشريعة اليهودية والعهد القديم، نجد أن التلموذ والتوراة يشددان بالقدر ذاته على رفض الشرك وتحريم عبادة الأصنام والأوثان بصورة قطعية. فالوصية الأولى والأساسية في الشريعة الموسوية تنص صراحة على وجوب إخلاص العبادة للرب وحده لا شريك له، وهي القاعدة التي عُرفت في التراث العبري بوحدة الإهية الخالق. فقد جاء في سفر الخروج التأكيد الإلهي القاطع: “لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثَالاً منحوتًا، ولا صورة ما ممّا في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهنّ ولا تعبدْهنَّ، لأني أنا الرب إلهك إله غيور”. وفي نصوص التلموذ والشروحات الحاخامية التقليدية، يُعتبر الشرك أو ما يسمى بعبادة الأوثان خطيئة كبرى لا تُغتفر، ويُنظر إلى المشرك باعتبار أنه نقض العهد الأبدي المبرم بين الخالق وبني إسرائيل، حيث تجمع الشرائع اليهودية على أن الاعتراف بسلطان إلهي آخر مع الله أو تقديم القرابين والصلوات للأجرام السماوية أو المخلوقات هو خيانة عظمى تسلب الإنسان أهليته الروحية والأخلاقية، وتستوجب سخط الرب وغضبه على الجماعة والأفراد على حد سواء.
​أما في الشريعة المسيحية والإنجيل المقدس، فإن توحيد الله وتنزيهه عن الشرك يمثلان جوهر الرسالة المسيحية التي أكد عليها السيد المسيح عليه السلام بنفسه. فعندما سُئل المسيح عليه السلام عن الوصية الأولى والأهم في الشريعة، أجاب بما أورده إنجيل مرقس: “إن الوصية الأولى هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك”. وفي مواقف المواجهة مع قوى الشر والإغواء، كما ورد في إنجيل متى حين حاول إبليس إغواء المسيح بالسجود له مقابل إعطائه ممالك العالم، كان رد السيد المسيح حاسماً وقاطعاً حيث قال: “اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد”. هذا النص الإنجيلي الصريح يضع حداً لكل تأويل، ويثبت أن السجود والعبادة والخضوع المطلق لا يكون إلا لله وحده، وأن أي إشراك لكائن آخر في هذه المرتبة يعد خروجاً صارخاً عن تعاليم الإنجيل والوصايا الإلهية الكبرى. وقد دأب آباء الكنيسة الأوائل على تحذير أتباعهم من خطورة الأوثان والأفكار الشركية المنتشرة في العالم الوثني المحيط بهم، مؤكدين أن الإيمان بالمسيح لا يعنى بأي حال من الأحوال تعدد الآلهة، بل يرتكز على الإيمان بالله وحده لا شريك له.
​وعند التأمل العميق في هذه المصادر المتنوعة من القرآن والسنة والتلموذ والإنجيل، يتبين لنا إجماع إلهي تاريخي لا لبس فيه على محاربة الشرك بأشكاله كافة، سواء كان شركاً أكبر يتمثل في عبادة الأصنام والأحجار، أو شركاً خفياً يتمثل في تعلق القلب بغير الله اعتماداً ورجاءً وخوفاً. فالشرك في جوهره يمثل تعطيلًا للعقل البشري الذي كرمه الله، واستعباداً للإنسان لمخلوق مثله أو أدنى منه، بينما التوحيد يحرر الإنسان من ربوع العبودية لغير الخالق ويمنحه العزة والكرامة والاطمئنان النفسي. وعليه، فإن تضافر هذه الشهادات النصية من الكتب السماوية يؤكد وحدة المصدر الإلهي للرسالات، ووحدة الغاية الكبرى المتمثلة في إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع، ليظل الشرك هو الخطيئة الكبرى التي تتفق الشرائع جميعاً على تحريمها، والبراءة منها، والتحذير من عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا