اسلاميات

أهم الدلالات التفسيرية في مطلع سورة التكوير الكريمة

“فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (1) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (2) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (3) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (4) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (5) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (6) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (7) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (8) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (9) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (10) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (11) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (12) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (13) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (14) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (15)” تعتبر سورة التكوير من السور المكية العظيمة التي تعالج أصول العقيدة الإسلامية وتصوّر أهوال يوم القيامة ومشاهد تحول الكون وبطولاته الكبرى بأسلوب بياني فريد يقرع القلوب ويهز النفوس وفي مطلع هذه السورة الكريمة يفتتح الحق سبحانه وتعالى القسم بآيات عظيمة من آياته الكونية الدالة على كمال قدرته وعظيم حكمته وقد وقف المفسرون طويلا أمام هذه الآيات الحاكمات مستقين معانيها من أمهات كتب التفسير كجامع البيان للطبري وتفسير القرآن العظيم لابن كثير وتفسير الكشاف للزمخشري وتفسير المفاتيح الغيب للفخر الرازي وغيرها من المصادر الموثقة التي وضعت الدلالات اللغوية والشرعية نصب عينيها فقوله تعالى فلا أقسم اختلف اهل التفسير في معنى لا هذه فذهب جماعة من المحققين إلى أن لا زائدة لتأكيد القسم والتقدير أقسم بالخنس وقيل إنها نافية لكلام سبق للمشركين ثم استأنف القسم تقريرا للحق وقيل معناه ليس الأمر كما تظنون أي أقسم والمدار في التفسير على أن الله سبحانه وتعالى أقسم بمخلوقات عظيمة تدل على توحيده وصدق رسوله وأما الخنس فهي جمع خانس والمراد بها النجوم السيّارة التي تخنس أي تختفي وتتوارى عن الأعين في النهار وتغيب في مجاريها وقيل هي البلايا والظباء والوحوش التي تخنس في كناسها غير أن القول الأصح والأشهر عند أكثر المفسرين كابن عباس ومجاهد وقتادة هو الكواكب الخمسة السيّارة زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد لأنها تخنس في إبدارها ومسيرها وترجع وتستقيم في فلكها وقيل تخنس وقت طلوع الشمس فلا ترى ضوءها وقوله تعالى الجوار أي التي تجري وتتحرك بسرعة في أفلاكها وسيرها الدائم المنضبط بتقدير العزيز العليم وقوله تعالى الكنس أي التي تكنس وتدخل في كناسها كما تكنس الظباء في مغاراتها أو لأنها تستتر في المغيب وتجتمع في مسارها شبهت بالغزال الذي يأوي إلى كناسه والكناس هو البيت أو المأوى الذي يستتر فيه الحيوان فكأن هذه النجوم إذا غربت دخلت في كناسها وخصيصة الجري والكينوسة والخنس هي صفات مترابطة تعبر عن دورة هذه الكواكب العظيمة في السماء وسيرها المحكم الذي أودع الله فيه آية من آيات عظمته ثم ينتقل السياق القرآني المدهش ليقسم بظاهرة كونية أخرى تعبر عن تعاقب الزمان واختلاف الأحوال فيقول والليل إذا عسعس ومعنى عسعس عند أهل اللغة والتفسير فيه قولان مشهوران أحدهما أنه أقبل بظلامه وأسدل ستوره والآخر أنه أدبر وولى وذهب وقيل هو مشترك يطلق على الإقبال والإدبار وذهب بعض المفسرين إلى أن إقبال الليل بظلامه وسواده هو المراد والأظهر أنه يدل على استرخاء الليل وتناهيه في الظلمة والسكون وقيل عسعس الليل إذا اظلم ظلاما شديدا ثم أخذ في التناقص والانقضاء ليحل محله النور وفي هذا القسم بالليل تنبيه إلى عظم قدرة الخالق في تدبير هذا الكون المتوازن ثم يقول عز وجل والصبح إذا تنفس والصبح هو الفجر الصادق المعبر عن انفلاق النور وتباشير الصباح والتنفس هنا استعارة بلاغية بديعة تشبه طلوع الفجر وتنفسه بانتشار ضوئه تدريجيا وتدرجه في الانبساط والاتساع حتى يملأ الآفاق بالضياء والسرور وكأن الكون كان مكروبا ومخنقودا بظلام الليل فجاء الصباح ليتنفس وينشر الحياة من جديد على وجه الأرض وكل هذه الأقسام العظيمة بالنجوم السيّارة وخنسها وكنوسها وبالليل وظلامه وإقباله أو إدباره وبالصبح وإشراقه وتنفسه إنما جاءت لغاية عظيمة ومقصد جليل يحمله جواب القسم المتمثل في قوله تعالى إنه لقول رسول كريم أي أن هذا القرآن العظيم المنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله الحق الذي أداه رسول كريم على الله عز وجل وليس بقول شاعر ولا كاهن ولا ساحر ووصف بالرسول الكريم لكرم صفاته وطهارة سريرته وجميل خصاله وحسن خلقه وامتثاله لأمر ربه سبحانه وتعالى وهو رسول ذي قوة أي صاحب قوة في تبليغ الوحي وأدائه والقيام بأعباء الرسالة دون ضعف أو وهن والمراد بالقوة هنا القوة المعنوية والبدنية والعزم الشديد والصبر الجميل وقيل المراد جبريل عليه السلام على قول من قال إن الضمير عائد إليه ولكن الجمهور على أن المراد بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم أو المراد بجبريل الذي ألقى القرآن على قلب النبي وكل منهما وصف بالقوة والكرم والمكانة الرفيعة عند رب العالمين كما وصفه بأنه ذي العرش مكين أي ذي مكانة ومنزلة رفيعة عالية ومكينة عند صاحب العرش العظيم سبحانه وتعالى مطاع ثم أمين أي أنه مطاع في الملأ الأعلى للملائكة المقربين وأمين على وحي الله ورسالته لا يخون الأمانة ولا يبدل فيها حرفا بل يبلغها كما أمره ربه تبارك وتعالى بلا زيادة ولا نقصان وهذا إزاحة قاطعة لكل تشكيك أثاره المشركون وأعداء الدعوة الإسلامية حول مصدر هذا القرآن الكريم وتأكيدا قاطعا على نزاهة مصدره السماوي وسلامة طريقه وتواتره ثم يبرئ الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم مما رماه به السفهاء من الجنون فيقول وما صاحبكم بمجنون ردّاً بليغاً على قريش التي عرفت صدق النبي وأمانته طيلة أربعين سنة قبل البعثة فلما جاءهم بالحق اتهموه بالسجن والجنون ظلماً وزوراً فبرأه الله من ذلك وبين أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو أكمل البشر عقلاً وأرجحهم رأياً وأصدقهم لهجة وأنصفهم بياناً ولقد رءاه بالأفق المبين أي رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها في الأفق البين الواضح وهو أفق السماء الظاهر للعيان وذلك في بدايات نزول الوحي أو في ليلة الاسراء والمعراج على خلاف يسير بين المفسرين في تحديد الرؤية المعنية هنا غير أن الثابت المؤكد هو صحة الرؤية وعظمتها وقطعيتها وما هو على الغيب بضنين أي وما محمد صلى الله عليه وسلم على ما أتاه الله من وحي السماء وأخبار الغيب بمتهم أو بخيل بكتمانه أو بنقصانه بل يبذله للناس كافة من غير كتمان ولا شح على عكس الكهنة الذين يبخلون بمعلوماتهم أو يأخذون عليها أجراً بل كان صلوات الله وسلامه عليه مبلّغاً أميناً ناصحاً لخلق الله أجمعين وما هو بقول شيطان رجيم أي وما هذا القرآن الكريم بقول شيطان مطرود مرجوم من السماء لأن الشياطين لا تنبغي لهم ولا يستطيعون وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمحزولون فالقرآن طاهر مطهر محفوظ من استطراق الشياطين أو تلاعبهم به لأنه نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين فأين تذهبون استفهام تعجبي وتوبيخي للكافرين المعرضين عن الحق الهادفين إلى الضلال بعد ان تبانت الآيات ووضحت الحجة فأي طريق تسلكون بعد ظهور هذا النور المبين والبرهان القاطع إن هو إلا ذكر للعالمين أي ما هذا القرآن إلا تذكرة وموعظة وهداية للانس والجن ولكل من أراد الهداية والنجاة في الدنيا والآخرة لمن شاء منكم أن يستقيم أي لمن أراد طريق الحق والهداية واتباع الصراط المستقيم واختيار طريق الرشاد بمحض إرادته واختياره بعد أن أبان الله له النهدين النجدين وأوضح له السبيلين وما تشاءون إلا أن شاء الله رب العالمين تأكيد عظيم على أن مشيوعة العباد تابعة لمشيئة الله عز وجل فلا يملك العبد شيئاً من أمره إلا بإذن الله وتوفيقه وأن الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين المتصرف في كل شؤونهم ومدبر أمورهم بحكمته وعلمه البالغ فمن أراد الهداية ووفقه الله لها استقام ومن خذله الله حاد عن الصراط المستقيم فتبارك الله أحسن الخالقين ورب العالمين ذو الجلال والإكرام وبهذا تتكامل الآيات في سياقها القرآني المعجز لتربط بين آفاق الكون الفسيح وعظمة الخالق سبحانه وتعالى وبين صدق الوحي ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم في سبك محكم وبيان بليغ يبقى محط إجلال وتدبر للمتدبرين على مر العصور والأزمان

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا