اسلاميات

الكون المتعدد في الفلسفات الدينية من سبع سماوات وسبع أرضين

تسافر الروح البشرية منذ الأزل في رحلة البحث عن كنه الوجود وهندسة الكون العلوية والسفلية، حيث تلتقي المشكاوات الدينية والفلسفية عند رؤية كونية مدهشة تتجاوز حدود المنظور، متجسمة في مفهوم “السبع سماوات والسبع أرضين” كبنية هرمية ووجودية متكررة في وعي البشرية الجمعي. يبرز هذا المفهوم في النصوص الإسلامية برباط وثيق يجمع بين الإعجاز والتدبير الإلهي، إذ يذكر القرآن الكريم في سورة الطلاق: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ”، وهو ما يفسره الحبر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بقوله العميق الذي يفتح آفاقاً على العوالم المتوازية: “سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسى”، مما يؤسس في الثقافة الإسلامية لرؤية كونية شاسعة تتطابق فيها الطبقات الأرضية مع السماوية في الخلق والتدبير، ويدعمها الحديث النبوي الشريف الذي يرسخ هذا التقسيم كحقائق كونية وأخلاقية في آن واحد، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين” رواه البخاري، لتكون السماوات السبع مستقراً للأرواح والملائكة ومقامات القرب، والأرضون السبع طبقات مشحونة بأسرار الخلق.
​ولا يبتعد الفكر الوجودي في الديانة اليهودية عن هذه الهندسة السباعية، بل يغوص فيها عبر أدبيات “القبالاه” ونصوص التلمود، حيث يُنظر إلى الكون كبناء متكامل من سبع طبقات سماوية يطلق عليها “شمائيم”، يقابلها سبع طبقات أرضية تُعرف في النصوص العبرية بأسماء محددة تعبر عن طبيعتها الروحية والمادية وهي: (إيريتس، تيفيل، حيليد، نيشيا، يَباشا، أركا، وشيول)، وجاء في مدونات “المدراش” وتحديداً في نص “باميدبار راباه” المقاربة الصريحة التي تقول: “كما خلق الله سبع سماوات، كذلك خلق سبع أرضين، واختار من كل منها ما يناسب مشيئته”، حيث تُعتبر الأرض السابعة العلوية “تيفيل” هي المسكونة بذرية آدم، بينما تمثل الطبقات السفلية مستويات تطهيرية أو عوالم موازية تسكنها كائنات أخرى، مما يعكس تطابقاً بنيوياً عجيباً مع الرؤية الإسلامية في تفسير تعدد العوالم وتكاملها.
​وفي الفضاء المسيحي، تظهر هذه الرؤية الكونية متداخلة مع التراث اليهودي-المسيحي، ولا سيما في الكتب الأبوكريفية والكتابات الرؤيوية المبكرة التي شكلت المخيال المسيحي حول السماء والأرض؛ ففي كتاب “صعود إشعياء” العهد القديم الأبوكريفي، يوصف صعود النبي عبر سبع سماوات متتالية، تزداد كل واحدة منها نوراً ومجداً عن التي قبلها، حتى يصل إلى السماء السابعة حيث العرش الإلهي، وهو ما يتقاطع مع ما ذكره الرسول بولس في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس حين قال: “أعرف إنساناً في المسيح قبل أربع عشرة سنة… أختطف هذا إلى السماء الثالثة”، مما يثبت تجذر العقيدة السباعية للسماوات في الفكر المسيحي المبكر، والتي توازيها في التفسيرات اللاهوتية القديمة طبقات أرضية وهاوية تمثل دركات السقوط الروحي والمادي، كصورة مرآوية معكوسة للمقامات السماوية العلوية.
​وعند الارتحال شرقاً نحو الفلسفات الهندية والبوذية، نجد أن فكرة العوالم السباعية تتسع لتأخذ أبعاداً ميتافيزيقية قائمة على الكرمة وتطور الوعي؛ ففي النصوص الهندوسية ، ولا سيما في “الفيشنو بورانا”، يُقسم الكون إلى أربعة عشر إقليماً، سبعة منها علوية تسمى “اللوكا” وهي (بهور، بهوفار، سفارجا، ماهار، جانا، تاباس، وساتيا لوكا) وتمثل السماوات التي ترتقي إليها الكائنات بحسب صفائها الروحي، وتقابلها تماماً سبع طبقات أرضية وسفلية تسمى “التالا” أو “الباتالا” وهي (أتالا، فيتالا، سوتالا، تالاتالا، مهاهالا، راساتالا، وباتالا)، وجاء في “الفيشنو بورانا” توثيقاً لهذا التناظر الكوني: “إن هذه الأرض ليست سوى جزء بسيط من منظومة كبرى تتألف من سبعة عوالم علوية وسبعة عوالم سفلية، تتداخل جميعها لتشكل بيضة البراهماندا الكونية”، حيث تعيش في كل طبقة كائنات تتناسب ذبذباتها الوجودية مع طبيعة الأرض التي تقطنها.
​أما البوذية، فرغم تركيزها على التحرر النفسي “النيرفانا”، إلا أنها تبنت كوزمولوجيا معقدة تتطابق مع هذا التقسيم السباعي عبر مفهوم “الهارموني الكوني” وعوالم الرغبة والشكل واللاشكل، حيث تصف نصوص “أبهيدهارما كوشا” الوجود كطبقات متراكمة من الأرضين والسماوات؛ فالأرضون السبع تلتف حول جبل “ميرو” المركزي كحلقات من البحار والجبال الوجودية، وتلوح فوقها السماوات المتعددة كمستويات لتجلي الوعي وبلوغ المقامات الروحية العليا، إذ يذكر النص البوذي القديم: “إن العوالم تتعدد بتعدد درجات الوعي، وثمة سبع طبقات من الوجود الأرضي تطهر الكائن قبل أن يؤهل للصعود إلى السماوات النورانية”، مما يجعل من السبع سماوات والسبع أرضين رمزاً عالمياً مشتركاً يتجاوز الجغرافيا والزمن، ليؤكد أن الوجود في نظر الأديان والمذاهب كافة ليس مسطحاً ولا عشوائياً، بل هو بناء طبقي محكم وهرمي، تترابط فيه العوالم السفلية بالعلوية في سيمفونية وجودية تسعى فيها الروح دائماً للانعتاق من طين الأرضين السبع لتسكن في نور السماوات السبع.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا