
تُعدّ آية سورة طه المباركة التي تتناول عاقبة الإعراض عن منهج الله واحدة من أعظم آيات القرآن الكريم التي تقرر حقائق الوجود والجزاء الدنيوي والأخروي، وقد وردت هذه الآية ضمن سياق قصة موسى عليه السلام وما جرى له مع فرعون وما رافق ذلك من تقرير لقواعد الهداية والضلال، وفيما يخص وقت نزولها فهي آية مكية نزلت في مرحلة حرجة كان المشركون فيها يعرضون عن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويحاربون القرآن بالصد والتكذيب، ولم يثبت في السيرة النبوية أو كتب أسباب النزول المعتمدة سبب خاص نزلت لأجله بمعزل عن السياق العام للآيات المكية التي تعالج موقف الكفار من الوحي، بل هي تشريع إلهي عام وحكم كلي يتناول كل من ترك منهج الله وعصى أمره إلى يوم القيامة، وبحسب ما أجمع عليه جمهور المفسرين من أئمة السلف كابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، فإن المعنى التشريعي والتفسيري لقوله تعالى “ومن أعرض عن ذكري” يشمل الهجر التام للقرآن وما أنزل الله من وحي وأحكام، أو ترك العمل بأوامره والوقوع في محارمه، وأما “المعيشة الضنكا” فقد تعددت أقوال السلف فيها وتكاملت معانيها، فذهب بعضهم إلى أنها عذاب القبر الذي يُضغط فيه الكافر أو المعرض حتى تختلف أضلاعه، وذهب آخرون إلى أنها تعني الشقاء النفسي والحيرة والقلق الروحي الذي يصيب الإنسان المهتز البعد عن الله وإن ملك زينة الدنيا وأموالها الواسعة، إذ إن الحياة المقطوعة الصلة بالله ضنك دائم مهما كثرت مباهجها ومتاعها المادي، بينما ذهب فريق ثالث إلى أنها ترتبط بالرزق الحرام والكسب الخبيث الذي ينزلق إليه الإنسان المعرض فيكون عليه وباباً وشقاء، وتتكامل هذه المصادر التشريعية لتؤكد أن المآل النهائي لهذا الإعراض هو الحشر الأعمى يوم القيامة، حيث يُعاقب الإنسان بمثل ما نسيه وتغافل عنه في دار الدنيا، فتتجسد عمى بصيرته عن الحق في عمى بصره وحيرته حين يُحشر إلى نار جهنم، لتبقى الآية ميزاناً دقيقاً يوضح أن طمأنينة القلوب وسعادة الأرواح إنما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاتصال الدائم بالله والتمسك بذكره وتدبر آياته في كل حين.







