
تتبدى الهداية القرآنية في أبهى صور الإحكام والبيان عندما يتأمل الإنسان في السياق الكامل لقوله تعالى من سورة يونس: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ)، حيث تمثل هذه الآية الكريمة حلقة مركزية في سلسلة تقرير السنن الإلهية المتعلقة بالقلوب واستعدادها لتلقي الحق، فعند تدبر مصادر التفسير الكبرى، كجامع البيان للإمام الطبري، وتفسير ابن كثير، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، والتحرير والتنوير لابن عاشور، يتبين بجلاء أن الآية جاءت متصلة بسياق الكشف عن حال المكذبين من قريش الذين أطالوا النظر إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى هديه القويم، وسمته الحسن، وخلقه العظيم، ومعجزاته الباهرة، غير أن هذا النظر المادي المجرد لم يغن عنهم شيئاً ولم يورثهم إيماناً، لأن الله تعالى حكم بضلالهم إثر إعمار قلوبهم بالعناد والصد، وفي بيان سبب النزول والمعنى الإجمالي يقرر أئمة التفسير أن الكفار كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظرة استهزاء وتكذيب، كقولهم مستهزئين: أهذا الذي بعث الله رسولاً؟ فنزلت الآية تبين أن رؤيتهم لشخصه الكريم بالعين المجردة لا قيمة لها ما دامت بصائرهم معطلة عن إدراك الحقيقة، وقد أخرج الطبري وغيره عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن “العمى” في الآية ليس عمى الأبصار العضوية في الرؤوس، بل هو عمى البصيرة القلبية الذي يعطل صاحبه عن الانتفاع بالحق ومرئياته، فتشبيههم بالأعمى الذي لا يبصر طريق الهداية رغم سطوع النور هو تقريب بليغ لعجز المخلوق عن إحداث الاستبصار القلبي لمن حجب الله بصيرته، ومن أمثلة ذلك الواقعية التي ضربها علماء البلاغة والتفسير أن الشمس في كبد السماء تملأ الكون ضياءً ونوراً، غير أن الأعمى لا ينتفع بهذا النور لا لقصور في إشراق الشمس، بل لقصور في بصر العبد، وكذلك هي آيات الله الباهرة بالنسبة للقلوب الميتة المغلقة، وقد أيد هذا المعنى كبار أئمة التابعين كمجاهد بن جبر وقتادة بن دعامة، حيث نصوا في تفاسيرهم على أن من طمس الله قلبه وختم على سمعه وبصره، لم يكن لأحد من الخلق كائناً من كان أن يهديه، لأن هداية التوفيق وقذف النور في الصدور هي من خصائص رب العزة وحده لا شريك له، وليس للمرسلين جميعاً إلا هداية الدلالة والبيان، وفي هذا السياق يقول الإمام ابن كثير رحمه الله معلقاً على أمثال هذه الآيات: “أي كما لا يقدر الأعمى على الهداية الحقيقية في طريقه إلا بقائد، فكذلك من عمي قلبه عن آيات الله وبراهينه لا يستطيع أحد أن يرده إلى طريق الإيمان حتى يفتح الله بصيرته”، ويشرح الإمام القرطبي في تفسيره أن قوله تعالى (ولو كانوا لا يبصرون) هو تعبير بليغ يبالغ في وصف انعدام الاستعداد لقبول الحق، فحين تنعدم البصيرة تماماً تصبح آيات الله بالنسبة لمن أغلق قلبه كالشمس الساطعة بالنسبة للأعمى لا ينتفع بنورها، ومن هنا تتكامل دلالات الآية لتؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أدى الأمانة وبلغ الرسالة بلاغاً مبيناً، وأن حسرته على المعرضين إنما هي من كرم طبعه وشفقة قلبه، غير أن سنن الله في خلقه مقتضية بأن الهداية تتبع صلاح السرائر واستعداد المحل، فمن أراد الله له الهدى شرح صدره للإسلام، ومن أراد له الضلالة لعمى بصيرته لم يغن عنه من الله شيئاً، لتستقر الآية الكريمة في بنيانها التفسيري قاعدة كبرى في اليقين والرضا بقضاء الله وقدره في خلقه، وتسلية أبدية لكل داعية إلى الحق بألا يأسى على إعراض المعرضين إذا أدى ما عليه من بلاغ مبين.







