
يقف الإنسان طويلاً متأملاً في غاية وجوده وسر حياته على هذه الأرض، باحثاً عن إجابة شافية لسؤال الخلود والمصير، ولم يجب القرآن الكريم عن هذا التساؤل الجوهري فحسب، بل حسمه في آية جامعة مانعة هي قوله تعالى في سورة الذاريات: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وهو نص قرآني محكم يحدد بوضوح لا لبس فيه الغاية النهائية من الإيجاد والإخلاف، مستنداً إلى أصول تشريعية ومصادر تفسيرية معتمدة عند أهل السنة والجماعة، كـ “تفسير القرآن العظيم” للإمام ابن كثير، و”تفسير الطبري” (جامع البيان عن تأويل آي القرآن)، و”تفسير القرطبي” (الجامع لأحكام القرآن)، حيث تُجمع هذه المصادر التشريعية على أن سياق الآية الكريمة جاء في مقام التسلية لقلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتثبيته في مواجهة إعراض المكذبين، وتذكيرهم بسنة الله في الأمم السابقة، فالسورة في مجملها مكية النزول، تعالج أصول العقيدة، وتؤكد على التوحيد، وتضرب الأمثال بقصص الأنبياء مع أقوامهم مثل قصة إبراهيم عليه السلام مع ضيوفه من الملائكة، وقصة موسى وفرعون، وعاد وثمود، ليكون نزول هذه الآية في خواتيم السورة تأكيداً على أن سنة الابتلاء والعبادة واحدة لا تتبدل، وأن تكذيب المكذبين لن يغير من حقيقة الغاية الكبرى التي خلق من أجلها الثقلان، وهي عبادة الله وحده لا شريك له. وتتجلى المعرفة الدقيقة لسبب نزول الآية بالرجوع إلى كتب أسباب النزول المعتمدة مثل “لباب النقول في أسباب النزول” للإمام السيوطي و”أسباب النزول” للواحدي، حيث يُبين المحققون من المفسرين أن الآية لم تنزل في حادثة فردية محددة أو واقعة عينية طارئة، بل نزلت ابتداءً كتقرير إلهي عام وحكم كوني أزلي يبيّن الحكمة من خلق المكلفين من الجن والإنس، وهو ما يُعرف في اصطلاح علوم القرآن بالنزول الابتدائي الذي لا يتوقف على سبب خاص، بل يقرر قاعدة كلية تشمل كل مكلف إلى قيام الساعة. أما من الناحية التفسيرية والشرعية، فقد ذهب الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره إلى أن معنى العبادة هنا هو الطاعة والانقياد والخضوع لله سبحانه وتعالى، مستعيناً بأقوال السلف الصالح، وعلى رأسهم حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، الذي فسر قوله (إلا ليعبدون) بقوله: “إلا ليقروا لله بالعبودية طوعاً أو كرهاً”، وهو تفسير يوسع دائرة العبادة لتشمل العبادة الكونية القدرية التي يخضع لها كل من في السموات والأرض طوعاً أو كرهاً، والعبادة الشرعية الاختيارية التي يثيب الله عليها المطيعين ويعاقب المخالفين، بينما أكد الإمام ابن كثير في تفسيره أن الله سبحانه وتعالى ما خلق عباده إلا ليوحيدوه ويفرغوا قلوبهم وجوارحهم لطاعته، لا لأنه محتاج إليهم سبحانه وتعالى، بل غنىً عنه وعن عبادتهم، فالله جل جلاله هو الرزاق ذو القوة المتين، وإنما العبادة عائد نفعها وثمرتها على العباد أنفسهم في الدنيا والآخرة. وقد أضاف الإمام القرطبي في تفسيره الجامع أن العبادة في الآية تنتظم مظاهر الحياة الإنسانية كلها متى ما أُطِّرت بالإخلاص لله وابتغاء وجهه، لتتحول الأفعال العادية والمباحات إلى قربات إذا صحّت النوايا واستُحضر أمر الله ونهيه، وبذلك تتكامل دلالات الآية الكريمة لتؤكد أن الغاية من استخلاف الإنسان في الأرض هي تحقيق العبودية الخالصة لله وحده، استجابةً لأمر الخريطة التشريعية الربانية التي لا تقبل بديلاً عن التوحيد الخالص والالتزام بمنهج الله القويم.







