اسلاميات

الحفاوة بالأنثى في الإسلام بين الجاهلية والهدى النبوي

​تتجلى أعظم صور التشريعات الإلهية والأخلاق المحمدية في إعادة الاعتبار للإنسان، وتكريم المرأة والأنثى منذ لحظات ولادتها الأولى، حيث وقف الإسلام بحزم أمام ترسبات الجاهلية الأولى وعاداتها القاسية التي كانت تعامل مولودة الأنثى بامتهان شديد، وقد صور القرآن الكريم هذه الحالة النفسية والاجتماعية المريضة بأسلوب بليغ في سورة النحل في قول الله تعالى: (وإذا بشّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشّر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون)، وتكشف هذه الآية الكريمة عن عمق المأساة النفسية التي كان يعيشها العربي في الجاهلية حين يُخبر بميلاد الأنثى، فيتحول وجهه من بشاشة البشر إلى السواد والكآبة الممتزجة بالغضب الشديد والحزن الكظيم الذي يخفيه في صدره خوفا من العار المزعوم، فيدخل في صراع مرير بين احتمالية إبقاء هذه المولودة على هون وذل أو وأدها ودفنها حية في التراب، ليأتي الختم القراني بأسلوب الاستنكار الصارم ليفضح هذا الحكم الجائر والمنحرف عن الفطرة السليم، وفي السياق ذاته جاءت السنة النبوية المطهرة لتنسف هذه الجذور المظلمة وتقدم للبنات أسمى أوسمة الرعاية والكرامة، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تؤكد عظيم الأجر والثواب لمن احسن تربية البنات والنفقة عليهن، ومنها ما رواه الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن وضرائهن وسّرائهن أدخله الله الجنة بهن)، فقال رجل: يا رسول الله واثنتان؟ قال: (واثنتان)، فقال رجل: أو واحدة يا رسول الله؟ قال: (أو واحدة)، وهو توجيه نبوي عظيم يربط الفوز بالجنة ودخولها بالرفق بالبنات والصبر على تربيتهن والقيام بشؤونهن، بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم تربية البنتين أو الأختين والإحسان إليهما حجابا حصينا من النار وسببا لمرافقة النبي الكريم في الجنة كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من عال جارتين حتى تبلغن جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا وجمع بين أصابعه)، ومثلها حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أن امرأة جاءت ومعها ابنتان لها فسألت فأعطيتها تمرة واحدة فأخذتها فقسمتها بين ابنتها ولم تأكل منها شيئا، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: (من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كنّ له حجابا من النار)، أما عن دور البنت الحقيقي في حياة أبيها فهو دور محوري عميق يتجاوز حدود الرعاية المادية ليلامس أعمق مشاعر الوجدان الإنساني، فالبنت في كنف أبيها تمثل مصدر الرحمة والسكينة والبهجة، وغالبا ما تكون الأكثر برّا وعطفا والتصاقا بوالديها في كبرهما ومرضهما، وفي التراث الأدبي والإنساني تظل البنت هي السند العاطفي والرفيق الأحن الذي يضفي على البيت دفئا خاصا، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه أروع الأمثلة في إكرام ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها حين كان يقوم لها إجلالا ويقبلها ويسر إليها، لتتكامل بذلك النظرة القرآنية الحكيمة والهدى النبوي الشريف في ترسيخ مكانة الأنثى كنعمة كبرى ورحمة مهداة لا نقمة ولا عار، وتتحول البنت إلى باب واسع من أبواب الرحمة الإلهية والبركة في الدنيا والآخرة لكل أب يحسن استقبالها ويربيها التربية الصالحة التي ترضي الله ورسوله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا