اسلاميات

أصناف من المسلمين المحرومين الجنة

​إن الدين الإسلامي بني على قواعد عظام وأركان شداد، أولها الشهادتان، يليهما إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً، غير أن الناظر في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة يدرك يقيناً أن هذه الأركان الظاهرة، على عظمتها ومكانتها، ليست وحدها الضامنة للنجاة يوم القيامة إن انفك عنها صدق اليقين، واستقامة السلوك، وسلامة القلوب من أمراضها المهلكة، وحقوق العباد التي تمثل الميزان الأثقل في عرصات القيامة، فقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث عن أصناف من المنتسبين للإسلام ممن فرطوا في جانب الأخلاق، أو استخفوا بحقوق الخلق، أو ارتكبوا موبقات عظيمة أوقعتهم في دائرة الوعيد الشديد، فحرموا بذلك دخول الجنة مع الأوائل، بل ربما كان مصيرهم النار جزاء وفاقاً لما اقترفت أيديهم، ومن أظهر هذه الأصناف التي دلت عليها الأدلة الشرعية الصنف الأول المتمثل في النمام الذي يحمل الكلام بين الناس على وجه الإفساد وإيقاع العداوة، فقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يدخل الجنة نمام”، وفي رواية أخرى “قتات”، وهو دليل قاطع على أن هذه الكبيرة المهلكة التي تهدم أواصر المجتمع وتغذي الضغائن تعد حائلاً حصيناً دون دخول الجنة، إذ النمام يفسد ما أفسده الدهر ويهدم ما بنته الأخوة الإيمانية، والصنف الثاني هو المتكبر الذي يحمل في قلبه مثقال ذرة من كبرياء وغرور، متعالياً على خلق الله عز وجل، رافضاً للحق، محتقراً للناس، وقد حسم النبي صلى الله عليه وسلم أمر هذا الصنف بوضوح تام حين قال فيما رواه الإمام مسلم: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”، فالكبر رداء الله سبحانه، ومن نازعه فيه قصمه وأبعده عن داره دار السلام، والصنف الثالث يتمثل في قاطع الرحم الذي يعق قرابته ويقطع ما أمر الله به أن يوصل من حبال الصلة والرحمة، وقد ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يدخل الجنة قاطع رحم”، لتصبح قطيعة الأرحام جراحة عميقة في جسد الأمة توجب الحرمان من أعظم النعم وهي الجنة، والصنف الرابع هو المدمن على الخمر والمخدرات وكل مسكر يغيب العقل الذي كرم الله به الإنسان، فقد جاء في سنن ابن ماجه وغيره بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يدخل الجنة مدمن خمر”، فالإصرار على تعاطي ما يذهب العقل ويفتح أبواب الفتن والمفاسد يعد موبقة تحول بين العبد وبين جوار ربه، والصنف الخامس هم المسبلون أزرهم تخايلاً وتكبراً، والمنفقون سلعتهم بالحلف الكاذب الفاجر، والمنانون بما أعطوا من صدقات، وهم الأقوام الثلاثة الذين ورد فيهم الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم أن الله لا يكلمهم يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، حيث قرن النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ليبين شناعة هذه الأفعال القائمة على الرياء والكذب والتعالي، والصنف السادس يتمثل فيمن يؤذي جاره ولا يأمنه بوائق شره، وقد تواترت النصوص في التنفير من أذية الجار، حتى قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم: “لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه”، فالجار حق عظيم، ومن ضيعه وظلمه استحق العقوبة والحرمان، والصنف السابع هم الذين يأكلون أموال الناس بالباطل ويظلمون العباد في حقوقهم، كالديان المماطل القادر على السداد المفلس لغرمائه ظلماً، ومن يقتطع مال أخيه بيمين فاجرة، فقد ثبت في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه لقي الله وهو عليه غضبان”، وفي روايات أخرى الوعيد الشديد لمن ظلم شبراً من الأرض طوقه من سبع أرضين، إضافة إلى صنف خطير ألا وهو المنان الذي لا يعطي عطية إلا أتبعها بالمن والأذى ليُبطل أجرها ويؤذي إخوانه، فهؤلاء جميعاً، على كثرة صيامهم وصلاتهم وقيامهم، توعدهم الشارع الحكيم بالحرمان من الجنة استناداً إلى نصوص محكمة وصحيحة تبين أن الإسلام منهج متكامل لا ينفك فيه العباد عن حسن الخلق وحفظ الحقوق، وأن أداء الفرائض الظاهرة لا يسقط تبعات المظالم والآفات القلبية واللسانية التي تقود أصحابها إلى النار إن لم يتوبوا منها توبةً نصوحاً قبل غروب الشمس ولقاء رب العالمين، يضاف إليهم أصناف أخرى نصت عليها الأحاديث النبوية الصحيحة والآثار الثابتة لأناس أتوا بالصلوات والزكاة والصيام وغيرها من العبادات الظاهرة، لكنهم حرموا دخول الجنة مع الأولين أو استوجبوا النار بسبب حقوق العباد، أو الكبائر الموبقة، أو الأمراض القلبية المستحكمة، ومن هذه الإضافات الصنف الأول المتمثل في الديوث الذي يقر الفاحشة في أهله ولا غيرة له على عرضه، فقد ثبت في مسند الإمام أحمد وغيره بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: المدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر في أهله الخسيس”، والصنف الثاني هو العاق لوالديه والعاصي لهما، وقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم عقوق الوالدين بالشرك بالله لما له من عِظم الحق وجلالة القدر، فثبت في الصحيحين وغيرهما وعيد العاق بالحرمان من دخول الجنة مع السابقتين، والصنف الثالث هو من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، أي من سلك طريق العلم للرياء والسمعة أو لجمع المال والجاه دون إخلاص لله، فقد أخرج أبو داود وغيره بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد ريح الجنة يوم القيامة”، والصنف الرابع هو من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلمه فالجنة عليه حرام”، والصنف الخامس هم الذين يغيرون خلق الله عز وجل للزينة البحتة والتدليس كالتفلج للحسن والوشم والنامصة وغيرها مما ورد في النصوص الصحيحة باللعن والوعيد الشديد، والصنف السادس هو الحاكم أو الراعي الذي يغش رعيته ولا يحوطهم بالنصح والرعاية، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة”، والصنف السابع هو المتكبر في مشيته أو هيئته المتعالي بماله أو جاهه، إضافة إلى من يسرق شبراً من الأرض بغير حقه، ومن يقتل عاهدًا أو نفسًا بغير حق، فهذه كلها نصوص محكمة تبين أن العبادات وحدها لا تكفي للنجاة ما لم تترجم إلى أمانة واقعية، وحفظ للحقوق، وسلامة صدر، وخلق حنيف يبتغي به العبد وجه الله خالصاً.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا