سياسةعربية وشرق اوسط

تونس تحت سحابة الاستبداد وعزلة التبعية الإقليمية

​يعيش الشعب التونسي اليوم واقعاً مريراً وقاسياً تتكشف ملامحه يوماً بعد يوم تحت وطأة استبداد غير مسبوق يكبل الحريات ويخنق الأنفاس، وسط مساعٍ مستميتة من الجارة الغربية لتكريس هذا الوضع البائس وحمايته من الانهيار. فمنذ أن طبق الرئيس قيس سعيد قبضته الحديدية على مفاصل الدولة، دخلت البلاد في نفق مظلم من الأزمات الهيكلية المتراكمة التي باتت تضرب أبسط مقومات العيش الكريم، مترافقًا مع تراجع مأساوي وغير مسبوق في مؤشرات حقوق الإنسان وحرية التعبير التي دفع في سبيلها الشعب أثماناً غالية، توجت بحملة مسعورة من الاعتقالات السياسية التعسفية التي طالت رموز المعارضة الوطنية، ونشطاء المجتمع المدني، ووجوه الإعلام الحر والمستقل، في محاولة ممنهجة لإسكات كل صوت معارض وتجفيف منابع الاختلاف، بالتوازي مع إحكام السيطرة الأمنية والسياسية والضغط المباشر على السلطة القضائية وتدجينها لتصبح أداة طيعة لتنفيذ أجندات تصفية الخصوم السياسيين وتمرير الملاحقات الباطلة. وتتجسد المأساة اليومية لأبناء الشعب التونسي بأجلى صورها أيضاً في الانقطاعات المتكررة والممنهجة للماء الصالح للشرب والكهرباء، والتي تضرب المدن والقرى في عز موجات الحر الشديدة والصيف الحارق، نتيجة حتمية لسياسات الدولة العقيمة وعجزها التام عن إدارة المرافق الحيوية أو تقديم الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للمواطنين، لتتحول الحياة اليومية إلى جحيم لا يطاق يعكس فشل السلطة الذريع في توفير أبسط مقومات البقاء والكرامة، وليستمر تدهور القدرة الشرائية وانهيار الطبقة الوسطى وتفشي البطالة والفقر وسط صمت مطبق. وفي خضم هذا المخاض العسير والانهيار المريع، يطل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بخطابات وتوجهات تفضح رغبة دفينة ومصالح استراتيجية ضيقة ترمي إلى ركوب الموجة التونسية ودعم النظام القائم بكل قوة وثقل سياسي ومالي، في محاولة يائسة لضمان بقائه بأي ثمن خوفاً من سيناريو التغيير الذي قد يهدد مصالح النظام الجزائري نفسه؛ إذ تدرك دوائر القرار في الجزائر تمام الإدراك أن سقوط الاستبداد الحالي في تونس قد يجر خلفه انهيار شبكة التحالفات والتبعيات التي تكبل القرار التونسي وتجعله تابعاً ذليلاً للرؤية الجزائرية، مما يجعل من بقاء هذه الديكتاتورية المتهالكة طوق نجاة لنظام تبون وحلفائه لضمان استمرار الهيمنة الجيوسياسية على الخاصرة الشرقية، بغض النظر عن حجم المعاناة القاسية والظلم المبرح الذي يكتوي بناره الشعب التونسي الأبي الذي يجد نفسه وحيداً في مواجهة آلة القمع الداخلي ومناورات الوصاية الإقليمية الطامعة في مصادرة قراره السيادي ومستقبله.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا