
يعيش المغرب على وقع مخاض اجتماعي وسياسي صامت، ينذر بتحولات عميقة في بنية العلاقة بين الشارع ومؤسسات القرار؛ فما تشهده الساحة الوطنية اليوم ليس مجرد تموجات عابرة في مؤشرات الظرفية، بل هو تشظٍ بنيوي في ثقة جيل بأكمله في سرديات الإصلاح التقليدية. إن المشهد العام يطفو على صفيح ساخن تختلط فيه أزمات المعيش اليومي بانسداد الأفق التنموي، وتتكسر على صخرته كل مساحيق التجميل الخطابية التي تقارب الأزمات بمنطق التدبير التقنوي البارد عوض المقاربة السياسية الاستراتيجية. هذا الاحتقان المكتوم ليس وليد صدفة تاريخية، بل هو الحصاد المر لمسارات متراكمة من التدبير الحكومي المعزول عن نبض المجتمع، مما جعل البلاد أمام مفترق طرق حاسم تستوجب قراءة تحليلية رصينة لتفكيك عناصره المتشابكة، بدءاً من أرقام الشغل الصادمة، وصولاً إلى أزمة التمثيلية والعزوف الذي بلغ مداه الأقصى.
وحين نلج إلى عمق الأرقام الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة كالمندوبية السامية للتخطيط، يبرز الهول جلياً؛ إذ يجد الملايين من الشباب المغاربة في سن الشغل أنفسهم أمام جدار مغلق، حيث تسجل بطالة الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة مستويات مقلقة تناهز 27.2 في المائة، وتتجاوز 14.5 في المائة في فئة الراشدين الشباب بين 25 و34 سنة. هذه الأرقام المجردة تخفي خلفها مأساة اجتماعية كبرى لكتلة بشرية واسعة من حاملي الشهادات والمهارات الذين تحولوا من طاقة إنتاجية محتملة إلى عبء نفسي واجتماعي ومجال حيوي للهشاشة. أمام هذا الجدار، وتحديداً في ظل تناقض صارخ بين تشجيع الشباب على ارتياد عوالم الابتكار والتكنولوجيا وبين استمرار هيمنة اقتصاد الريع والامتيازات الذي يقفل الأبواب أمام تكافؤ الفرص، ظهر بوضوح بروز جيل جديد يطلق عليه “جيل زد” (Gen Z). هذا الجيل الذي نشأ في حضن الثورة الرقمية والعولمة الافتراضية، ويمتلك أدوات تحليل ونقد تختلف كلياً عن الأجيال السابقة، لم يعد يثق في الفضاءات التقليدية؛ واختار الفضاء الرقمي منصة بديلة للتعبير والاحتجاج وافتكاك الفضاء العام الافتراضي، لكونه فضاءً عابراً للوصاية ومحصناً ضد لغة الاحتواء الكلاسيكية، مكرساً بذلك شكلاً جديداً من أشكال النضال الرقمي الموازي.
لكن المثير للاستغراب والتحليل هو هذا الصمم الحكومي المزمن تجاه إشارات الإنذار المبكر؛ فالحكومة المتعاقبة بدت وكأنها تعيش في برج عاجي، غير مبالية بما يدق من نواقيس خطر مدوية هزت الاستقرار السوسيولوجي للبلاد في محطات ثلاث مفصلية. لقد بدأ الإنذار الأول مع هجرة صدمة 2021 التي كشفت رغبة جامحة في الهروب الجماعي من الوطن، ثم تجسد الإنذار الثاني في احتجاجات “جيل زد” الرقمية سنة 2025 التي عبرت عن غضب صامت يغلي خلف الشاشات، ليأتي الإنذار الثالث مدوياً في محاولات الهجرة الجماعية المؤلمة نحو الثغر المحتل بسبتة، وهي محطات كان المفروض فيها أن تشكل زلازل سياسية توقظ الضمير المؤسساتي، غير أن التعاطي الحكومي ظل محكوماً بمنطق الهروب للأمام وتوسيع هوة الوعود العرقوبية. لم يعد الأمر مجرد هروب جغرافي نحو الضفة الأخرى، بل تحول إلى اغتراب داخلي عميق واختراق نفسي يجعل الشاب المغربي يعيش كالغريب في وطنه، مأزوم الوجدان ومنهك الانتماء، مما يفسر تنامي مشاعر اللامبالاة والقطيعة الوجدانية مع الشأن العام.
والإيمان بأن هذه الحكومة باتت على مشارف نهايتها مع اقتراب استحقاقات شتنبر الانتخابية، يضعنا أمام سؤال جوهر المرحلة: ماذا يُطلب من الحكومة الجديدة المنتظرة؟ إن الرهان لم يعد متعلقاً ببرامج قطاعية فضفاضة أو شعارات براقة حول الدولة الاجتماعية تُفرغ من محتواها على أرض الواقع، بل المطلوب هو قطيعة تامة مع منطق الريع وتضارب المصالح، وإرساء سياسات عمومية جريئة تستهدف إعادة الاعتبار للطبقة الوسطى والطبقات الهشة، وخلق اقتصاد إدماجي حقيقي يحرر المبادرة الاقتصادية وينتشل قطاع التشغيل من وهدته. إن الحكومة المقبلة سترث تركة ثقيلة ومجتمعاً ملّ الانتظار، ولن يغفر لها الشارع أي تعثر إضافي، فالفرصة التاريخية المتبقية لإعادة ترميم الثقة المؤسساتية ضيقة للغاية ولا تحتمل مزيداً من التجريب العبثي في ظل تكلفة بديلة باهظة ترتبط بثمن استقرار الوطن ومستقبله.
وما يضاعف من حدة هذا الاختناق الاجتماعي هو موجة الغلاء العارمة التي ضربت بأطرافها كل مفاصل الحياة اليومية للمواطن البسيط؛ فشظف العيش لم يعد يقتصر على مواد دون أخرى، بل امتد ليشمل لهيب أسعار المحروقات التي تكتوي بنارها كل القطاعات الإنتاجية والنقل، مروراً بالغلاء الفاحش في الأدوية الحيوية والمستلزمات الطبية، وصولاً إلى أبسط المواد الاستهلاكية والغذائية الأساسية. هذا التغول للغلاء في ظل جمود الأجور وضعف القدرة الشرائية خلق شعوراً عاماً بالقهر الاجتماعي، وأفرز حالة من الاختناق المعيشي جعلت المواطن المغربي يجد نفسه محاصراً بين مطرقة البطالة وسندان غلاء تكاليف البقاء اليومي، في غياب أي تدخل ناجع ومحسوس للحد من جشع الاحتكار وحماية القدرة الشرائية للمستضعفين.
هذا الوضع المأزوم لم يكن بمعزل عن الظاهرة السياسية الأبرز المتمثلة في العزوف السياسي المهول عن الشأن العام والمشاركة في الاقتراع؛ فالعزوف ليس وليد صدفة عابرة أو كسلاً مواطناتياً، بل هو قرار واعي وعقاب صامت يوجهه المواطن لصناديق تفتقد للصدقية ولمشهد حزبي أفرغ من مضمونه الديمقراطي. ويعود هذا بالأساس إلى مأزق المؤسسات الوسيطة وعجز الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني الرسمي عن تأطير الغضب الشبابي، وكيف تحولت هذه الهيئات من قنوات للوساطة والضغط الإيجابي إلى مجرد هياكل بيروقراطية منفصلة عن الواقع، وعاجزة عن إنتاج نخب قادرة على تمثيل نبض الشارع الحقيقي. وحين يعزف الناس عن التعبير عمن يمثلهم، فإن ذلك يعكس قطيعة أفقية وعمودية تترجم إيماناً جماعياً بأن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لاستمرار هذا الوضع أضعاف مضاعفة مقارنة بتكلفة الإصلاح السياسي الحقيقي، وهو ما يفسر أيضاً تلك الإشارات العميقة في الخطاب الديني عبر بعض المنابر التي بدأت تحث بقوة على الوطنية والتشبث بثوابت الأمة؛ في محاولة لرتق النسيج القيمي والترابط الروحي والوطني الذي يتعرض لهزات عنيفة بفعل الإحباط الاجتماعي ويأس الشباب من الجدوى السياسية برمتها.
وما يجري في المغرب اليوم، باختصار شديد، هو أزمة انتقال ديمقراطي واجتماعي تعثرت في منتصف الطريق؛ حيث تقف البلاد وجهاً لوجه أمام تحولات ديموغرافية وسوسيولوجية عميقة يقودها جيل جديد لا يعترف بالولاءات التقليدية ولا تنطلي عليه خطابات التسكين المؤقت. إن ما يخترق العمق المغربي اليوم هو صراع خفي بين رغبة جامحة في التحديث والانعتاق وبين بنيات تقليدية ومصالح ضيقة تقاوم التغيير، وهو ما يتطلب جراحة مكاشفة وطنية شجاعة تضع الإصبع على الوجع الحقيقي، لإنقاذ الجبهة الداخلية واستعادة بوصلة الأمل قبل أن تتحول طاقات الشباب البركانية إلى مسارات أخرى لا يحمد عقباها.




