سياسة

هل محمد بنشعبون أم فوزي لقجع لقيادة زلزال شتنبر 2026 وإنقاذ أوراش التنمية الشاملة؟

​تتأرجح المنظومة السياسية والمؤسساتية المغربية اليوم على وقع مخاض كاشف لا تقبل معطياته القسمة على اثنين، وتحديداً على مشارف الاستحقاقات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026 التي لم تعد مجرد محطة انتخابية عادية أو استحقاقاً عابراً لتجديد واجهات المؤسسات المنتخبة، بل تحولت إلى مرآة فاضحة تعكس أزمة بنيوية عميقة متجذرة في تخلف النخب الحزبية وعجزها البين عن مواكبة الرؤى التنموية الكبرى للبلاد. وهو عجز تكرسه الهجرات التنظيمية والتحركات الفوقية المتسارعة نحو مربعات النفوذ، متمثلة في الالتحاق التنظيمي لوزير الميزانية والرياضة فوزي لقجع بالمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة؛ وهي خطوة استراتيجية مدروسة بعناية لم تأتِ صدفة ولا من فراغ، بل تعكس هندسة خفية لدوائر القرار العليا تهدف إلى “زرع” الكفاءات السيادية والتقنوقراطية داخل الهياكل الحزبية لفرض الانضباط والنجاعة من الداخل، وقطع الطريق أمام عبث الدكاكين الانتخابية التي عجزت عن مواكبة الإيقاع الملكي السريع. وفي المقابل، يستميت الفاعلون الحزبيون وفي مقدمتهم رئيس الحكومة في الدفاع عن حصيلتهم وتبرير اختياراتهم من تخوم الأقاليم الجنوبية رافضين منطق المحاسبة الحقيقية، متناسين أن الإرث الثقيل للتدبير الحكومي الحالي قد خلّف احتقانًا اجتماعيًا مكتومًا وعدالة مجالية معطلة لا تخطئها العين ولا تخفيه لغة الأرقام الرسمية؛ فالمندوبية السامية للتخطيط توثق باستمرار استقرار معدلات البطالة في مستويات حرجة تفوق سبعة عشر بالمائة، مع تركيز قاسٍ في صفوف الشباب حاملي الشهادات الحضرية وفي الجهات الهامشية، بالتوازي مع موجات تضخم وغلاء متلاحقة أكلت ما تبقى من القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة ووجهت ضربة موجعة لشعارات الدولة الاجتماعية.
​ورغم هذه السوداوية التي تفرضها هشاشة التدبير الحزبي وعقم التجاذبات الضيقة، فإن المغرب يسير بثبات نحو ترسيخ مكاسبه الاستراتيجية كقوة إقليمية صاعدة تقودها الرؤى الملكية السامية في الأوراش الكبرى التي تتجاوز واجهة المونديال لتلامس عمق الحياة اليومية للمواطن. غير أن هذه الدينامية تصطدم بواقع مرير يتجلى بحدة في قطاع الصحة الذي يواجه إكراهات الخصاص البنيوي وضعف الخدمات رغم ورش الحماية الاجتماعية، وفي قطاع التعليم الذي يعاني من تعثر جودة المدرسة العمومية، ناهيك عن الاختلالات العميقة في ملف العدالة الاجتماعية. ومما يزيد المشهد قتامة، واقع الاحتقان في قطاع الصحافة والإعلام الذي عانى الأمرين في ظل التدبير الحكومي الحالي؛ حيث تُركت المقاولات الصحفية الجادة تواجه مصيرها المجهول وسط أزمة خانقة في نموذجها الاقتصادي، وعانت السلطة الرابعة من تهميش وتضييق أضعف قدرة الأقلام الحرة على مواكبة معركة الصورة والوعي الوطني وتنوير الرأي العام. هذا الوضع المأزوم يفرض بحكم الضرورة التاريخية إحداث صدمة مؤسساتية كبرى تستحضر سوابق تاريخية مجربة حين لزمت الضرورة الاستعانة برجال الدولة الأكفاء، على غرار تعيين إدريس جطو وزيراً أول سنة 2002.
​واليوم، يطرح المشهد نقاشاً مفصلياً حول هوية الشخصية الأجدر بقيادة السلطة التنفيذية على مشارف شتنبر 2026؛ هل هي شخصية “محمد بنشعبون” برصيده المالي الضخم وتعاليه التاريخي عن صراعات الدكاكين كمهندس سيادي عابر للأحزاب، أم تبرز الكفاءة الميدانية لـ “فوزي لقجع” الذي أثبت نجاعة منقطعة النظير في تدبير مفاصل المالية العمومية؟ غير أن المفارقة العميقة تكشف أن المفاضلة بينهما ليست إقصائية، بل تتأسس على تشكيل “ثنائي استثنائي متكامل” يجمع بين الرأس المدبر والسيادي لبنشعبون على رأس الحكومة، والحنكة الميدانية الصارمة للقجع داخل أروقة القرار المالي والتنظيمي.
​وأمام هذه الهندسة الحكومية الصارمة، لا نتطلع فقط إلى حكومة إنقاذ وطني بمواصفات تكنوقراطية وسيادية خالصة، تُسند فيها الحقائب الوزارية الاستراتيجية —كالصحة، التعليم، العدل، والإعلام— لكفاءات وطنية مستقلة تحرر الإدارة من البيروقراطية؛ بل نطمع أيضاً في معارضة برلمانية قوية وشرسة تراقب العمل الحكومي بموضوعية، وتقطع نهائياً مع المشهد التقليدي الباهت الذي تحول فيه الفرقاء إلى مجرد أطياف تتقاسم الغنائم بلا لون ولا طعم. وحين نتحدث عن رفع التحدي، فإن الرهان الحقيقي لا يقتصر على ربح واجهة المونديال، بل يمتد لمعركة مصيرية لا تقبل أنصاف الحلول: كبح جماح الأسعار، توفير الشغل للشباب، إرساء العدالة المجالية، وإعادة الاعتبار لمهنة الصحافة والمؤسسات الاجتماعية؛ إنها ببساطة معركة تكسر عظام العبث الحزبي وتنتصر لعلة وجود الدولة ومصلحتها العليا.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا