
مع انطلاق الحملة الانتخابية للتشريعات المقررة في الثالث والعشرين من شتنبر لعام ألفين وستة وعشرين، يجد المتتبع لدقائق المشهد السياسي المغربي نفسه وجهاً لوجه أمام مفارقة صارخة قوامها أن حلفاء الأمس القريب في ردهات الجهاز الحكومي قد تحولوا فجأة إلى خصوم أشرار تتقاذفهم ألسنة اللهب في الساحات العامة وعبر لوحات الإعلانات الرقمية والميدانية؛ وهو توتر جسدته حدة غير مسبوقة في التراشق السياسي والانتخابي بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، بلغت ذروتها في صيغة تفاوض عكسي غير مألوف قاطعت فيها قيادات ووزراء بارزون من الحزب الثاني أشغال آخر مجلس حكومي انعقد قبيل الإعلان الرسمي عن انطلاق السباق، وكشفت عن شرخ عميق يتجاوز حدود الاختلاف الظاهري. ويعود الجهر بهذا السعار الانتخابي العارم ومظاهره المحتدمة لا إلى تباين عميق في المرجعيات الأيديولوجية بقدر ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بصحوة الطموحات الفردية وصراع المواقع الشرس على وراثة مقعد الصدارة ورئاسة الحكومة المقبلة، حيث يدخل حزب الأحرار بقيادة عزيز أخنوش المعركة مدافعاً ضارساً عن حصيلته التنفيذية ومحاولاً ترسيخ مكاسب ريادة صعد بها سنة ألفين واحدا وعشرين لضمان استمرارية الإمساك بزمام السلطة التنفيذية، في حين يرفض الأصالة والمعاصرة الاستمرار في دور الشريك الرقمي الثاني وظله الباهت، ليخوض غمار المعركة بشعار جريء يرمي إلى تغيير المسار وانتزاع المرتبة الأولى لإزاحة منافسه من قمة الهرم الحزبي والمؤسساتي، وهو ما أوقد نار التنافس على الصدارة. ويزداد هذا الاحتقان اشتعالاً بفعل إشكاليات وضع شاذ ما فتئ يُعرف بالحكومة ذات الرأسين؛ إذ وجدت الأحزاب نفسها حبيسة واقع مزدوج تزامن فيه الانتماء إلى الائتلاف الحكومي ذاته مع تسويق روايتين متناقضتين تماماً أمام الناخبين، حيث ينسب الأحرار لأنفسهم ملكية الإصلاحات الكبرى لورش الدولة الاجتماعية ودعم الأسر، بينما يحاول البام التنصل جزئياً من تبعات الإخفاقات الاقتصادية وحالات غلاء المعيشة ليقدم نفسه في ثوب البديل الإصلاحي الجريء من داخل الأغلبية نفسها، وهو انفصام صارخ في الخطاب أثار حفيظة القواعد الحزبية وألهب مشاعر الغضب المتبادل. وإلى جانب ذلك، شهدت الأسابيع السابقة لمعركة الترشحات حروب استقطاب محمومة سعت للظفر بالأعيان والبرلمانيين ورؤساء الجهات والمنتخبين النافذين عبر ظاهرة الترحال الحزبي التي قرأ فيها كل طرف ضربة موجعة لخصمه وإضافة نوعية لحظوظه في الفوز بالدوائر الانتخابية الحاسمة، مما جعل الاتهامات المتبادلة تتجاوز اللياقة المعهودة في المنافسة السياسية النظيفة لتتمركز حول محاور شائكة كاحتكار الإنجاز الحكومي جماعياً تارة والتهرب من المسؤولية تارة أخرى، فضلاً عن الاتهامات المبطنة المتبادلة بشأن توظيف شبكات النفوذ المالي والانتخابي لاستمالة الوجوه الوازنة وإفراغ الأحزاب من قواعدها. ومع أن هذا السعار العاصف ليس تمثيلية مسرحية أو اتفاقاً مصطنعاً لخلق الإثارة الإعلامية نظراً لبلوغه حد مقاطعة مجالس الحكومة ووجود مصالح وجودية متصارعة تقودها طموحات قيادية متقاطعة، إلا أنه يظل في نهاية المطاف تنازلاً استراتيجياً مضبوطاً بسقف المؤسسات، حيث يدرك الفرقاء جيداً أن طبيعة الخريطة السياسية وقوانين الاقتراع ستفرض عليهم حتماً العودة مجدداً بعد إعلان النتائج لتقاسم نفس الطاولة الحكومية وتشكيل الائتلاف القادم، ليبقى هذا التنافس المحتدم رهيناً بصناديق الاقتراع التي ستكشف قريباً عن المنتصر والمنهزم في معركة كسر الأطواق، وسط ترقب مستصحب لمواقف بقية الأطراف السياسية المستفيدة بصمت من هذا النزيف الثنائي.







