
إن قراءة المسار الديمقراطي والانتخابي في بلادنا تستدعي بالضرورة استحضار الرؤية المتبصرة التي ما فتئت تؤكد عليها أعلى سلطة في البلاد، والداعية إلى ترسيخ المفهوم النبيل للممارسة الحزبية والسياسية؛ غير أن الهوة الآخذة في الاتساع بين منطوق التوجيهات الدستورية والملكية وبين الممارسة الميدانية لبعض الهيئات، أنتجت معضلة بنيوية تتجسد في تفاقم العزوف السياسي للمواطنين عن صناديق الاقتراع.
لقد ظل الرهان الدائم معقوداً على أحزاب وطنية فاعلة، تقدم برامج واقعية قابلة للإنجاز ومحددة التمويل، وتتجاوز الحسابات الفئوية والديماغوجية العقيمة؛ إلا أن انزلاق الخطاب السياسي في فترات عديدة نحو الصراعات الهامشية وتغليب المصالح الشخصية، ضرب في الصميم مبدأ “الصدق مع المواطن”، ما رسخ شعوراً باللاجدوى لدى فئات عريضة، وفي مقدمتها فئة الشباب التي تشكل عصب التغيير وركيزته الأساسية. وفي هذا السياق المطبوع بالتحديات التنموية الكبرى، تتأكد الحاجة الملحة إلى تشبيب النخب الحزبية والسياسية، باعتبار أن أبناء اليوم هم الأقدر على استيعاب متطلبات العصر ورفع إيقاع الإنجاز، لاسيما وأن التوجيهات الملكية السامية في خطاب العرش قد كرست بوضوح قناعة راسخة مفادها أن الدينامية التنموية لا ينبغي أن تخضع لبطء الإيقاع التقليدي للعمل الحكومي والبرلماني، فالبرامج والمشاريع الكبرى تظل أسرع بكثير من الزمن البيروقراطي المعهود.
إن العزوف عن المشاركة الانتخابية ليس مجرد موقف احتجاجي سلبي أو تعبير عن عدم الرضا، بل هو معضلة ذات ارتدادات وخيمة تمس عمق المعادلة الديمقراطية ومستقبل البلاد؛ فالانكفاء عن أداء الواجب الانتخابي يترك الساحة مفتوحة أمام وصول نخب غير مؤهلة إلى مواقع تدبير الشأن العام، مما يقود إلى تراجع مصداقية المؤسسات المنتخبة وإضعاف دورها الدستوري والرقابي، وهو ما يستوجب استحضار الدعوة الملكية الصريحة للناخبين بعدم التصويت لمن يختفي طيلة خمس سنوات ثم يعود مع مواسم الاقتراع بحثاً عن الأصوات.
ويمتد هذا الأثر السياسي الحرج ليصيب الشريان الاقتصادي للبلاد في مقتل؛ ذلك أن تدبير التنمية ومواجهة التحديات الاجتماعية يتطلبان كفاءات قادرة على بلورة سياسات عمومية ناجعة تخلق الثروة وتضمن العدالة المجالية والاجتماعية، بينما يؤدي فراغ الساحة من المشاركة الواعية والمسؤولة إلى إنتاج مجالس وبرلمانات تفتقر للجرأة والابتكار الاقتصادي، وهو ما ينعكس سلباً على القدرة الشرائية، وفرص العمل، ومناخ الاستثمار.
إن تحصين المشهد الديمقراطي واستعادة ثقة المواطن يقتضيان إدراكاً جماعياً بأن الانتخابات ليست غاية في ذاتها، بل هي بداية لمسار طويل من المساءلة والمحاسبة؛ مما يجعل من كسر حلقة العزوف المفرغة خطوة حاسمة لا غنى عنها لربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحويل الاستحقاقات إلى رافعة حقيقية للتنمية والعدالة الاجتماعية.







