اسلاميات

متاهة الخلود الكبرى: هل الموت نهاية أم بداية؟

إن قضية الموت والبعث هي الهاجس الأكبر الذي أرّق الفكر الإنساني عبر التاريخ، وتناوب الأنبياء والفلاسفة والكتب المقدسة على تقديم رؤى عميقة حوله. فبينما يرى البعض في الموت فناءا للانتقال أو رقاداً مؤقتاً، يذهب آخرون إلى اعتباره المحطة الفاصلة الكبرى التي يتحصل فيها الإنسان جزاء أفعاله، وتتفق جل الشرائع على أن الروح باقية وأن الجسد وإن فني فله نشأة أخرى.
​في التوراة (العهد القديم)، يُنظر إلى الموت غالباً في أسفاره الأولى بوصفه النتيجة الحتمية لسقوط الإنسان الأول وعصيانه في جنة عدن، حيث جاء في سفر التكوين: “لأنك تراب وإلى تراب تعود”. وفي سياق متصل، يشير سفر القضاة وأسفار أخرى إلى مفهوم “الانضمام إلى الآباء” في عالم الهاوية أو “شئول”، وهو مواتٍ سكني جماعي للأرواح قبل أن تتبلور بجلاء مفاهيم الثواب والعقاب الأخرويين وتجلّي القيامة في الأسفار المتأخرة مثل سفر دانيال الذي نص بوضوح على أن الكثيرين من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء للحياة الأبدية وهؤلاء للعار والازدراء الأبدي، مما يعكس تطوراً نحو الإقرار بالبعث والجزاء.
​أما في التلمود والتراث الحاخامي اليهودي، فقد تعمق الحكماء في تفسير طبيعة الروح والجسد بعد الوفاة، مؤكدين على عقيدة “تحيّة هميثيم” أي إحياء الموتى كأحد أصول الإيمان اليهودي التي خطها موسى بن ميمون. ويناقش التلمود، خصوصاً في مسخت “سنهدرين”، كيف أن الله يبعث الأجساد بذات الهيئة التي ماتت عليها لكي تبرر العدالة الإلهية، حيث يُحاسب الجسد والروح معاً باعتبارهما شريكين في الفعل البشري، فالروح لا تُعاقب وحدها لأنها طاهرة بطبيعتها، والجسد لا يُعاقب وحده لأنه جماد دون روح، فالبعث إذن هو إعادة اتحاد تام بينهما في عالم الحق.
​وبالتحول إلى الأناجيل (العهد الجديد)، يتخذ مفهوم الموت والبعث بُعداً خلاصياً مرتبطاً بشخص المسيح وقيامته التي تُعد حجر الأساس في العقيدة المسيحية. يؤكد إنجيل يوحنا على قول المسيح: “أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا”، حيث يتحول الموت في المنظور المسيحي من عقوبة مخيفة إلى مجرد “رقاد” مؤقت، كما جاء في رسائل بولس الرسول. ويُطرح البعث هنا كحقيقة واقعة تُوجبها قيامة يسوع نفسها، إذ تذكر رسالة كورنثوس الأولى أن الموت قد ابتلع إلى غلبة، وأن الأجساد الفاسدة ستلبس عدم فساد، والأجساد المائتة ستلبس خلوداً، مع وجود دينونة أخيرة يفصل فيها الديان العادل بين الخراف والجِماء بناءً على أعمال المحبة والرحمة.
​وفي القرآن الكريم، يُنظر إلى الموت باعتباره أجَلاً مديناً لا يمكن الفرار منه، كما في قوله تعالى: “كل نفس ذائقة الموت”، وهو ليس فناءً مطلقاً بل هو توفٍّ للنفوس من قِبل الملائكة الموكلين بذلك. أما البعث في القرآن فيُطرح بدلائل كونية وبصيغة استدلالية محكمة تخاطب العقل الإنساني، كإحياء الأرض بعد موتها وإنبات النبات، وكالنشأة الأولى للإنسان من نطفة ثم علقة، حيث يقرر القرآن مستنكراً منكري البعث: “أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير”. ويقترن البعث القرآني بالجزاء الدقيق في يوم القيامة، حيث تُوضع الموازين القسط ويُبعث الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم.
​وتأتي السنة النبوية المطهرة لتفصل وتؤكد هذه المعالم ببيان عملي ودقيق؛ إذ توضح الأحاديث الصحيحة ما يلقاه الميت منذ لحظات نزع الروح واحتضارها، مروراً بسؤال الملكين في القبر وضمته، وصولاً إلى النفخ في الصور والبعث من قبورهم حفاة عراة كما ولدتهن أمهاتهم. ويُبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أحاديثه أن الإنسان يبعث على ما مات عليه، وأن هناك أجساداً لا تأكلها الأرض كأجساد الأنبياء، مما يجعل البعث في السنة واقعاً عينياً محسوساً يربط الدنيا بالآخرة بأواصر متينة من العمل الصالح والاستعداد للقاء الله.
​وعند إمعان النظر في الرؤى المذكورة آنفاً، يتضح جلياً أن المفاهيم البشرية والإلهية عبر الرسالات السماوية لم تكن بمعزل عن بعضها، بل تشكل مساراً تصاعدياً ومتصلاً يربط البداية بالنهاية. ففي اليهودية القديمة، نجد التركيز منصباً على البعد الأرضي والتاريخي للحياة مع إيمان عام بالبقاء، ليتطور لاحقاً بفعل التحولات العقدية والتاريخية إلى إقرار صارم بالثواب والعقاب الدنيوي والأخروي والقيامة العامة، وهو ما طوّره الفكر التلمودي لاحقاً إلى منظومة دقيقة من العدالة الإلهية التي تستوجب عودة الروح والجسد معاً لكونهما وحدة متكاملة في المسؤولية. أما في المسيحية، فقد انتقل ثقل المفهوم من مجرد “الرقاد” والانتظار إلى حدث خلاصي ثوري تمثله قيامة المسيح، لتصبح الغلبة على الموت هي المحور الأساسي لرجاء المؤمن، حيث لا يقتصر البعث على مجرد عدالة قانونية فحسب، بل يمتد ليصبح اتحاداً أبدياً بالمجد الإلهي وعدم الفساد. وفي المقابل، جاء الإسلام عبر القرآن والسنة ليؤطر الموت والبعث بإطار كوني وعقلي شامل، جاعلاً من البعث حقيقة منطقية مرتبطة بقدرة الخالق المطلقة على الإبداع الأول، ومقرناً إياه بمسؤولية أخلاقية فردية دقيقة (فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرا يره)، ليغدو الموت في التصور الإسلامي جسراً نحو الخلود الحقيقي وليس نهاية المطاف. وبهذا تتكامل الشرائع السماوية في رسم صورة واعية للإنسان، تجعل من استحضار الموت دافعاً للعمل والإصلاح، ومن الإيمان بالبعث ركيزة أساسية لتحقيق العدل المطلق الذي تعجز عنه محاكم الأرض.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا