
تعد قضية تولية المرأة شؤون المسلمين وإسناد الوظائف العامة إليها من أدق المسائل الفقهية التي شغلت حيزاً واسعاً في مدونات التراث الإسلامي ومصنفات أمهات الكتب، ثم تجددت وتوسعت آفاقها مع نشأة الدولة الحديثة ومؤسساتها الدستورية، إذ تمثل هذه المسألة ميداناً فسيحاً تتدافع فيه الأدلة النقلية والتعليلات الأصولية والاجتهادات المقاصدية بين من يرى المنع الصارم احتياطاً للشريعة، ومن يرى الجواز استناداً إلى انتفاء العلة وتبدل أنماط الحكم وسياقاته.
استند جمهور الفقهاء عبر القرون، من أئمة المذاهب الأربعة كالحنفية في ظاهر المذهب، والمالكية والشافعية والحنابلة، إلى جملة من النصوص والآثار لتقرير منع المرأة من تولي الإمامة العظمى وولاية القضاء وسائر الولايات العامة الكبرى، متصدرين ذلك بالحديث الصحيح المشهور الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن الصحابي الجليل أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله عنه، حين قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”. وقد قرر أرباب هذا الاتجاه، كما فصّل ذلك ابن حجر العسقلاني في فتح الباري والإمام النووي في شرح صحيح مسلم، أن اللفظ جاء بصيغة نفي الفلاح وهو أبلغ درجات النهي والتحريم، معتبرين أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، بحيث يسري الحكم على كل ولاية يترتب عليها حكم عام ونافذ على جماعة المسلمين.
ويتمثل وجه التحريم عند هؤلاء المانعين في أن الولايات العامة الكبرى، كالإمامة ورئاسة الدولة وتصريف القضاء، تتطلب أعباء شاقة لا تتفق مع الأحكام الشرعية المقررة لصيانة المرأة وحفظها، ومن ذلك وجوب الحياء وتجنب الاختلاط الدائم والمباشر بالرجال والبروز في ميادين القيادة، فضلاً عن القيام بأعباء الجهاد، وقيادة الجيوش الميدانية، وعقد المعاهدات الدولية الشائكة، ورعاية شؤون السلم والحرب، وإمامة الناس في الصلوات والجمع والأعياد، وهي كلها وظائف سيادية وتشريعية لم يُعهد في تاريخ الرسالة المحمدية ولا في عهد الخلفاء الراشدين ولا القرون المفضلة أن أُسندت إلى امرأة. وعلاوة على ذلك، استدل الجمهور بقوله تعالى: “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم”، مبيّنين أن القوامة إذا كانت واجبة للرجل في نطاق الأسرة الضيقة، فإن ثبوتها للرجل في نطاق الولاية العامة الكبرى يكون من باب أولى سداً للذرائع ودرءاً للمفاسد الناتجة عن تقديم العاطفة على الحزم في إدارة شؤون الرعية.
وفي المقابل، لم يكن الفقه الإسلامي التراثي قالباً مصمتاً خالياً من التعدد، إذ ذهب فقهاء معتبرون إلى تجويز تولية المرأة في مراتب متعددة؛ حيث رأى الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت في رواية مشهورة عنه جواز توليتها القضاء في كل مسألة تجوز فيها شهادتها، وهي سائر الحقوق والأموال المدنية والمعاملات باستثناء الحدود والقصاص، بينما اتسع مذهب الإمام والمجتهد المطلق محمد بن جرير الطبري ليرى جواز توليتها القضاء المطلق في كل الأبواب والأحكام دون استثناء قياساً على صحة إفتائها واجتهادها. وتوسع الإمام ابن حزم الأندلسي في كتاب المحلى بالآثار مبيناً أن حديث نفي الفلاح ورد في سياق خاص يتعلق بالإمامة العظمى والاستبداد بالحكم كما كان يفعل كسرى وملوك فارس، ولا يشمل كل وظيفة تنفيذية أو قضائية أو إدارية في المجتمع.
ويستند وجه الجواز عند هؤلاء إلى أن الأصل في تصرفات العباد والمعاملات الدنيوية هو الإباحة ما لم يرد نص قطعي الدلالة والثبوت بالتحريم، وأن الإفتاء ونقل الأحكام الشرعية وقبول الشهادة، وهي من أرفع المراتب الدينية وأشدها خطراً، لم تُمنع منها المرأة متى توفرت فيها شروط العدالة والعلم والدقة، فكان جواز إسناد القضاء والإدارة إليها لازماً متى تحققت شروط الأهلية والخبرة. وقد استشهد المجيزون بسوابق تاريخية وتطبيقية من صدر الإسلام، في مقدمتها تولية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصحابية الشفاء بنت عبد الله العدوية شؤون الحسبة ومراقبة الأسواق في المدينة المنورة، وما كان من مشورة أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية التي حفظت دماء المسلمين وجنبتهم الفتنة، ما يؤكد أن حسن التدبير وسداد الرأي لا يقتصران على جنس دون آخر.
ومع مشارف العصر الحالي، شهدت هذه المسألة تحولاً عميقاً وطفرة في الرؤى الاجتهادية فرضتها التغيرات الهيكلية التي طرأت على نظام الدولة الحديثة، إذ لم يعد الحاكم اليوم، رئيساً كان أم وزيراً أم قاضياً، يمثل تلك السلطة الفردية المطلقة الموصوفة في التراث الفقهي بـ “الإمام الأعظم” الذي يجمع بيده كل مفاتيح التشريع والقضاء والتنفيذ وقيادة الجيوش وإمامة الصلوات في آن واحد، بل تحولت إدارة الدولة المعاصرة إلى عمل مؤسسي مركب ودستوري محكوم بفصل السلطات، ومساءلة الحكومات، والرقابة البرلمانية المشددة، واستشارة الخبراء وأهل الرأي في سائر القرارات.
وانطلاقاً من هذا الواقع المؤسسي المستحدث، تبلور اتجاه فقهي معاصر واسع تتبناه مجامع فقهية وهيئات إفتاء ومفكرون إسلاميون كبار، يرى ملاءمة وجواز تقلد المرأة لكافة المناصب السياسية والتنفيذية والتشريعية والقضائية، بدءاً من عضوية البرلمان والحقائب الوزارية المتخصصة، ووصولاً إلى رئاسة الحكومات والولاية القضائية العامة. ويعلل هؤلاء موقفهم بأن مناط الحكم الشرعي التراثي قد تغير جذرياً بزوال صفة الاستبداد والانفراد بالسلطة، وأن طبيعة تلك الوظائف اليوم تندرج تحت مفهوم الوكالة والنيابة العامة عن الأمة وتصريف المصالح المشتركة وفق أطر قانونية دقيقة، محتجين في ذلك بالمعيار القرآني الراسخ المتمثل في قوله تعالى: “إن خير من استأجرت القوي الأمين”، وهو معيار يرتكز بالأساس على الكفاءة المهنية، والنزاهة، والخبرة التخصصية، ومقومات الأمانة التي قد تحوزها المرأة على قدم المساواة وتتفوق بها.
وعلى الجانب الآخر، يواصل فريق من العلماء المعاصرين التمسك بالأحكام الفقهية المأثورة عن الجمهور، مؤكدين أن عموم لفظ الحديث النبوي لا يزال ملزماً وموجباً للمنع، وأن مقتضيات السياسة والمناصب السيادية العليا ما تزال تنطوي على ضغوط ومهام تتعارض مع الالتزامات الأسرية والخصائص الفطرية للمرأة، معتبرين أن بقاء الولاية في الرجال هو السبيل الأوفق لدرء المفاسد وتحقيق مقاصد الشرع في توزيع الأدوار الاجتماعية بين الجنسين.
وهكذا، يظل النقاش حول ولاية المرأة بين أمهات الكتب ونوازل العصر شاهداً حياً على عمق الفقه الإسلامي ورحابته، وتدافع مدارسه بين التمسك بالأصول التراثية من جهة، ومواكبة النظم الدستورية ومصالح العباد المتجددة من جهة أخرى، لتبقى المصلحة العامة والعدالة هما الغاية الأسمى لكل اجتهاد معتبر.







