اسلاميات

​أسرار ليلة بيعة الجن بحضرة الرسول الأعظم

في السنة العاشرة من البعثة النبوية، وتحديداً في أعقاب “عام الحزن” الذي فقد فيه النبي محمد ﷺ عمه أبا طالب وزوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، اشتد الحصار المعنوي والمادي الذي فرضته قريش على الدعوة الإسلامية في مكة، فخرج الرسول الكريم ماشياً على قدميه نحو مدينة الطائف يلتمس النصرة والمنعة من قبيلة ثقيف. غير أن سادة ثقيف قابلوه بجفاء قاسٍ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يرمونه بالحجارة حتى سالت الدماء الزكية من عقبيه الشريفين، واضطر إلى اللجوء إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، رافعاً يديه إلى السماء بدعائه الخاشع المشهور الذي أعلن فيه غنى روحه بالله عن كل نصير أرضي: «اللهم إليك أشكو ضعفي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي». وفي تلك اللحظة الفارقة التي ظن فيها المشركون أن الدعوة قد حوصرت في شعاب الحجاز، وأن أبواب الأرض قد أوصدت في وجه صاحب الرسالة، كانت السماوات العلى وعوالم الغيب تشهد انقلاباً كونياً هائلاً يمهد لفتح غير مسبوق يتجاوز حدود البشر إلى عالم الجن.
​وقبل هذا التحول التاريخي، كانت مردة الجن والشياطين تتخذ مقاعد في السماء الدنيا لاستراق السمع والتقاط شذرات من أخبار الغيب الملائكي لإلقائها إلى الكهان والعرافين، ولكن مع انبعاث النور المحمدي ونزول الوحي بالقرآن الكريم، فُوجئ عالم الجن بتغير قوانين الفضاء الكوني؛ إذ تحولت السماء إلى حصن منيع محروس بالملائكة والشهب الحارقة التي تلاحق كل مسترق للسمع. وقد وثق الإمامان البخاري (برقم 4921) ومسلم (برقم 449) في صحيحيهما هذا الحدث الكوني من حديث حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حين قال إن الجن حيل بينهم وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهب، فرجعوا إلى قومهم متسائلين في ذهول وفزع عن سر هذا الحجب المفاجئ، فقال لهم كبراؤهم وزعماؤهم: «ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء»، وهو ما صوره القرآن الكريم بلسان الجن أنفسهم في سورة الجن (الآيتان 8-9): ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا﴾.
​انطلقت سرايا الجن الاستطلاعية تجوب أقطار الأرض بحثاً عن سر التحول السماوي، وكان من بين تلك الوفود نفرٌ من أشراف جن منطقة “نصيبين” (وهم سبعة أو تسعة نفر على اختلاف الروايات في كتب السيرة والتفسير كـ “البداية والنهاية” لابن كثير و”الجامع لأحكام القرآن” للقرطبي)؛ فاتجهت وجهتهم نحو تهامة والحجاز. وفي طريق عودة النبي ﷺ من الطائف إلى مكة، نزل بـ “بطن نخلة” —وهو وادٍ يقع بين مكة والطائف— وقام في جوف الليل أو في صلاة الفجر يصلي بأصحابه ويتلو القرآن الكريم بصوته الخاشع المهيب. وما إن مرّ وفد جن نصيبين بذلك الوادي حتى استوقفتهم التلاوة النبوية، فاقتربوا في خشوع ورهبة، وأخذ بعضهم يوصي بعضاً بالسكوت التام لتدبر هذا الكلام الذي لم yطرق أسماعهم مثله قط، ثم قالوا لبعضهم في يقين قاطع كما ثبت في صحيح البخاري: «هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء!».
​في تلك الليلة المباركة بوادي نخلة، لم يكن النبي ﷺ يعلم بحضورهم واستماعهم في بادئ الأمر حتى أعلمه الله عز وجل بالوحي، كما أكد ذلك ابن عباس رضي الله عنهما، ونزلت الآيات البينات من سورة الأحقاف (الآيتان 29-31) تخلد ذلك المشهد المهيب: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَّلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، كما نزلت مطالع سورة الجن (الآيتان 1-2) كاشفةً عن عمق إدراكهم البلاغي والعقدي: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾؛ ففي اللحظة التي كان فيها صناديد قريش يصفون القرآن بأنه “أساطير الأولين” أو “سحر يؤثر”، كان عقلاء الجن يدركون بفطرتهم أنه الحق المبين، فآمنوا به من فورهم، وتحولوا في ليلة واحدة من مستطلعين حائرين إلى دعاة ومنذرين لقومهم.
​ولم تتوقف القصة عند حدود استماع وفد نصيبين في وادي نخلة، بل تلتها فصول أكثر إدهاشاً ومهابة حين عاد الدعاة من الجن إلى قومهم وعشائرهم، فوافقت دعوتهم قلوباً متعطشة للهداية، وتقاطروا في وفود كبرى نحو مكة المكرمة لمبايعة النبي ﷺ مباشرة وتلقي شرائع الإسلام وأحكامه. وهنا تبرز الرواية التاريخية والحديثية العظمى المعروفة في المصادر الإسلامية بـ “ليلة الجن”، والتي كان شاهدها الوحيد من البشر الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كما أخرجها الإمام مسلم في صحيحه (برقم 450)، والترمذي في سننه (برقم 2861)، والإمام أحمد في مسنده، وفصّل سياقاتها الإمام البيهقي في “دلائل النبوة” والحافظ ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري”.
​يروي علقمة وعامر الشعبي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سُئل: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: لم يشهدها منا أحد غيري؛ فقد افتُقد النبي ﷺ ذات ليلة بمكة، فخرج الصحابة يلتمسونه في الأودية والشعاب خوفاً عليه من أن يكون قد استُطير أو اغتالته قريش في الظلام، فباتوا بليلة شرّ ليلة بات بها قوم. وفي رواية الترمذي ومسند أحمد التي توضح تفصيل انطلاقهما في لقاء آخر من لقاءات وفود الجن بأعلى مكة عند منطقة “الحجون”، اصطحب النبي ﷺ عبد الله بن مسعود وحده في هزيع الليل المظلم، وسار به في شعاب الجبال الصامتة حتى بلغا موضعاً خالياً، فقام رسول الله ﷺ بخطّ دائرة على الأرض حول ابن مسعود بيده أو بعصاه، وقال له بأمر نبوي جازم: «لا تبرح خطك، فإنهم لن يخلصوا إليك، وإن خرجتَ منه هلكتَ أو لم ترني إلى يوم القيامة».
​جلس ابن مسعود داخل ذلك الخط الترابي الذي تحول ببركة الأمر النبوي إلى حصن غير مرئي، ومضى النبي ﷺ خطوات في عمق الوادي وافتتح قراءة القرآن. وما هي إلا لحظات حتى بدأ المشهد الغيبي يتجلى أمام عيني الصحابي؛ إذ يصف ابن مسعود ما رآه قائلاً إن كائنات سوداء عظيمة الأجسام أخذت تنحدر من رؤوس الجبال والشعاب كأنهم “رجال الزط” (وهم قوم من الهند طوال الأقام سمر الأبدان)، أو كأنهم قطع الليل المظلم ونسور الفلوات، يمشون دفعة واحدة بلا انقطاع، ومعهم دفوف أو أصوات كدويّ النحل وهزيز الحجيج، حتى غشوا رسول الله ﷺ وأحاطوا به إحاطة السوار بالمعصم، وتراكموا حوله طباقاً حتى حالت كثرتهم بين ابن مسعود وبين رؤية النبي ﷺ أو سماع صوته الشريف، وطفقوا يرتفعون في السماء كأنهم قطع السحاب.
​في خضم ذلك الهول الذي يخلع القلوب، يروي ابن مسعود أنه فزع على رسول الله ﷺ فزعاً شديداً، وهمّ أن يتجاوز الخط شاهراً سيفه ليذبّ عنه، لكنه تذكر وصية النبي ﷺ الحاسمة بعدم مغادرة الخط، فثبت في مكانه يرقب المشهد بقلب واجف حتى انبلج عمود الصبح. وطوال تلك الساعات الليلية، كان النبي ﷺ يعلمهم شرائع الإسلام، ويقرأ عليهم القرآن؛ وقد أخرج الإمام الترمذي في جامعه (برقم 3291) والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين، عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال لهم ﷺ: «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم! كنت كلما أتيت على قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد».
​ولم تقتصر تلك الليلة على التلاوة والبيعة فحسب، بل شهدت قضاءً وتشريعاً نبوياً ينظم العلاقة المعيشية بين عالمي الإنس والجن؛ ففي صحيح مسلم عن الشعبي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن وفد الجن سألوا رسول الله ﷺ الزاد والطعام لأنفسهم ولدوابهم، فقال لهم النبي ﷺ: «لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم»، ثم التفت النبي ﷺ إلى أمته من الإنس ناهياً عن الاستنجاء بالعظام والروث قائلاً: «فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم من الجن». كما تضمنت المراجعات الفقهية في تلك الليالي فضح النزاع بين جن الجزيرة وجن نصيبين، وإرساء قواعد الحماية للمسلم عبر ذكر اسم الله عند دخول البيوت وتناول الطعام، لئلا يشاركهم شياطين الجن في المبيت أو القوت، وهو ما فصلته الأحاديث الصحيحة في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله («إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء»).
​ومع تباشير الفجر، بدأ زحام الجن ينقشع تدريجياً كما ينقشع الضباب عن قمم الحجون، وعاد النبي ﷺ إلى عبد الله بن مسعود وقد بدا عليه الإعياء الشديد من طول القيام ومخاطبة تلك الحشود الغفيرة، حتى قال لابن مسعود: «إني لَوعِكٌ (أي مجهد متعب) مما دعاني إليه الجن الليلة»، ثم وضع رأسه الشريف في حجر ابن مسعود ليأخذ قسطاً يسيراً من الراحة قبل أن يقوم لصلاة الصبح، فسأله هل معه ماء للوضوء؟ فقال ابن مسعود: ما معي ماء، ولكن معي نبيذٌ (وهو ماء نُقعت فيه تمرات لتحليته قبل أن يختمر) في إداوة، فقال رسول الله ﷺ: «تمرة طيبة وماء طهور»، فتوضأ منه، وحين همّ بالانصراف أدركه نفرٌ من متأخري الجن يسألونه، ولما أشرقت الشمس رأى ابن مسعود وأصحابه آثار نيرانهم ورمادهم ومواضع جلوسهم في بطن الوادي شاهداً مادياً محسوساً على وقائع تلك الليلة الخالدة.
​وبينما خضعت وفود الجن المؤمنين لجلال النبوة طواعيةً ومحبةً، فإن السيرة النبوية حفظت لنا الوجه الآخر لسلطان النبي ﷺ القاهر على مردة الجن وعفاريتهم الذين حاولوا الكيد له بالعدوان المباشر بعد هجرته إلى المدينة المنورة؛ فقد روى الإمام البخاري (برقم 461) والإمام مسلم (برقم 541) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال بعد أن فرغ من صلاته: «إن عفريتاً من الجن تفلت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني الله منه فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ [ص: 35]، فرددته خاسئاً». وفي رواية أبي الدرداء رضي الله عنه في صحيح مسلم (برقم 542) وأبي سعيد الخدري أن ذلك العفريت جاء بشهاب من نار ليجعله في وجه رسول الله ﷺ، فتعوذ النبي ﷺ بالله منه ولعنه ثلاثاً، ثم قبض عليه بيده الشريفة فخنقه ودعّتُه (أي دفعه بقوة في حلقه) حتى وجد برد لسان العفريت ولعابه على يده الكريمة بين إبهامه والتي تليها، ولولا رعايته الأدبية الرفيعة لدعوة أخيه نبي الله سليمان عليه السلام لظل ذلك المارد موثقاً بحبال المسجد النبوي يلعب به ولدان أهل المدينة في الصباح.
​تتجلى في هذه الوقائع المتكاملة —من وادي نخلة وشعاب الحجون في مكة إلى محراب المسجد النبوي في المدينة— حقيقة الرسالة المحمدية الخاتمة التي لم تُحصر في جنس البشر ولا في جغرافيا الجزيرة العربية، بل امتدت هيمنتها التشريعية والروحية لتشمل “الثقلين” من الإنس والجن على حد سواء. فحين ضاقت الأرض بالنبي ﷺ في الطائف وأغلق زعماء البشر أبوابهم في وجهه، فتح الله له أبواب الغيب، وساق إليه سادة الجن يبايعونه تحت جنح الظلام، ليبقى ذلك الخط الذي رسمه الرسول الأعظم حول ابن مسعود في رمال مكة شاهداً أبدياً على اللحظة التي التقى فيها عالم الشهادة بعالم الغيب تحت راية التوحيد والقرآن.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا