
في أعماق أزمنة الجاهلية الأولى، وقبل أن تشرق شمس الإسلام على ربوع الجزيرة العربية، كانت رمال الصحراء وحصون الواحات الخضراء مسرحاً لقصص طويلة ومتشابكة من الصدام والتجاور بين القبائل العربية والقبائل اليهودية. لم تكن العلاقة بين الطرفين قطيعة تامة ولا سكينة دائمة، بل كانت أشبه بلوحة معقدة نسجتها المصالح الاقتصادية، والتحالفات القبلية المتغيرة، وتنافس النفوذ على المراعي وطرق التجارة. ففي يثرب، تلك الواحة التي أصبحت لاحقاً منارة للإسلام، استقرت قبائل يهودية كبرى مثل بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع، حيث شيدوا الحصون العالية والآطام المنيعة وتحكموا في مفاصل الاقتصاد والزراعة، إلى أن وفدت قبيلتا الأوس والخزرج من قحطان اليمن بعد انصداع سد مأرب واستقرارهم في ربوع المدينة. ومع قدوم العرب الجدد، نشأت بيئة ملتهبة من الصراعات الطاحنة والحروب الداخلية بين الأوس والخزرج أنفسهم، والتي استغلها زعماء اليهود عبر سياسة فرق تسد، فدخلوا في تحالفات متقطعة مع هذا الطرف ضد ذاك، مثلما حدث في حروب بعاث وبوثاق وغيرها من الوقائع التي تفنن رواة الأخبار في نقل تفاصيلها، إلى أن انكسرت حدة تلك الانقسامات الكبرى بقدوم الهجرة النبوية المباركة التي أعادت هندسة المشهد السياسي والاجتماعي بأسره.
ولم تقتصر تلك الصراعات على واحات يثرب الشمالية، بل امتدت جذورها العميقة لتصل إلى جنوب الجزيرة العربية في أرض اليمن السعيد، حيث شهد التاريخ قصة الملك الحميري ذي نواس، يوسف أسأر يثار، الذي تقلد مقاليد الحكم واعتنق الديانة اليهودية. تذكر أمهات كتب التاريخ والسير أن ذا نواس وجد نفسه في صراع محتدم مع تنامي النفوذ المسيحي في نجران، فقاد حملة عسكرية واسعة حاصر فيها نصارى نجران وفرض عليهم خيارات قاسية، لتنتهي تلك المأساة التاريخية بالواقعة الشهيرة المعروفة بقصة أخدود نجران، حيث أُوقدت النيران العظيمة لمن رفض التنازل عن عقيدته المسيحية، وهو الحدث المفصلي الذي ذكر في القرآن الكريم وأثار غضب إمبراطورية أكسوم الحبشة المسيحية. ولم يتقبل النجاشي وقادة الحبشة ذلك الفعل، فعبروا البحر الأحمر بجيوش جرارة غزت اليمن وأسقطت الدولة الحميرية اليهودية، لتنتهي بذلك صفحة طويلة من الصراع الديني والسياسي في الجنوب العربي وتخضع البلاد لنفوذ قوى خارجية جديدة.
أما في الشمال والشام، فقد وجد اليهود أنفسهم مجبرين على خوض غمار التشابك المعقد مع الإمبراطوريات الكبرى المجاورة كالفرس والروم البيزنطيين. وتشير الروايات التاريخية الموثقة إلى أنه في مطلع القرن السابع الميلادي، ووسط غمرة الحروب الطاحنة بين كسرى الفرس والإمبراطور الروماني هيراكليوس، انخرط يهود فلسطين والقدس في تحالفات استراتيجية مع الجيوش الفارسية المتقدمة. وعندما اجتاح الفرس مدينة القدس، شارك المقاتلون اليهود إلى جانبهم في عمليات انتقامية واسعة النطاق ضد الحاميات والسكان المحليين من النصارى العرب والروم، قبل أن تنقلب دفة الحرب وتعود الجيوش البيزنطية لاستعادة السيطرة على الإقليم، تاركةً المنطقة بأسرها على صفيح ساخن ومهيأة لتحولات جبارة في ميزان القوى العالمي والمحلي.
ومع هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى يثرب، أرسى دعائم الدولة الإسلامية الناشئة عبر توقيع “صحيفة المدينة”، وهي الوثيقة التاريخية العظيمة التي كفلت حرية المعتقد ونصت صراحة على الدفاع المشترك والتعايش السلمي بين كافة مكونات المجتمع من مهاجرين وأنصار ويهود. غير أن رياح الواقع خالفت النصوص، وبدأت خيوط التعهدات بالتمزق تباعاً مع ظهور إشارات القلق من تنامي قوة الإسلام والمسلمين. وكانت البداية مع غزوة بني قينقاع في السنة الثانية للهجرة، إثر ما تذكره المصادر من إثارَتهم للفتن والنعرات بعد معركة بدر الكبرى، وما رافق ذلك من أحداث تحرش بامرأة مسلمة في أسواقهم وما تبعها من نزام دموي؛ فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم حصاراً شديداً حتى استسلموا تماماً، وأمر بإجلائهم عن يثرب نحو أذرعات في أرض الشام.
ولم تكن تلك الحادثة سوى فاتحة لسلسلة من الصدامات المحتومة؛ ففي العام الرابع للهجرة، وقعت غزوة بني النضير بعد أن ثبت للمسلمين تدبير مؤامرة دنيئة لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم من خلال إلقاء صخرة كبيرة من فوق جدار أحد البيوت أثناء جلوسه، فضلاً عن تواطئهم السري مع المشركين. فحاصرهم المسلمون أسابيع عدة حتى وافقوا على شروط الجلاء، فخرجوا يحملون أمتعتهم على الإعقاب والإبل نحو خيبر وأريحا. غير أن ذروة الصدام وأقساه تجلت بوضوح تام في غزوة الخندق وما تبعها من أحداث بني قريظة في السنة الخامسة للهجرة. حينها، أطبقت قبائل قريش وغطفان ومن باح بها من أحزاب العرب على المدينة من الخارج في حصار خانق، وهنا قام كعب بن أسد القرظي، زعيم بني قريظة، بنقض عهده المؤكد مع النبي ومحاولة فتح ثغرة خلفية لجيش المشركين لاجتياح النساء والأطفال في قلب المدينة.
وما إن انفضت الأحزاب وغادر المشركون خائبين بفضل الله، حتى أتى الأمر النبوي الكريم بالتوجه الفوري نحو حصون بني قريظة. ضرب المسلمون طوقاً حصارياً استمر خمسة وعشرين ليلة كاملة، حتى أدرك بنو قريظة حتمية الهزيمة فنزلوا على حكم سعد بن معاد رضي الله عنه، فقضى فيهم بحكم التوراة الذي يقضي بقتل المقاتلة وسبي الذرية والأموال جزاءً لما اقترفوه من خيانة عظمى في ساعة العسرة. ولم تهادن جذوة التوتر حتى أُسدل الستار على الوجود العسكري اليهودي الأبرز في الجزيرة العربية من خلال غزوة خيبر في العام السابع للهجرة. فقد تحولت حصون خيبر الشمالية المنيعة إلى بؤرة وملاذ لتجميع الأحزاب وتأليب قبائل غطفان وغيرها لقتال الدولة الإسلامية، فحشد النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً كبيراً اقتحم حصون النطاة والشقاق والقموص حصناً تلو الآخر، لتنتهي المعركة بخضوعهم التام واستبقاء من يقيم فيها لزراعة الأرض مناصفة في المحصول، وتُطوى بذلك إلى الأبد أطول وأعقد فصول الصراعات العسكرية بين العرب واليهود في قلب الجزيرة العربية.







