
يتأسس المنظور المعرفي في أصول الفكر الإسلامي على قاعدةٍ قطعية تقضي بأن دين الأنبياء في مُبتدَئِهِ ومنتهاه واحد، تتوحد فيه الروافد العقدية والغايات الكبرى، وإن تباينت الشرائع وتمايزت الأحكام في تفاصيل التكاليف وفق مقتضيات الحكمة الإلهية وتطور الوعي البشري؛ تصديقاً للبيان الإلهي الحاسم في محكم التنزيل: «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ»، وتثبيتاً لما جرى به لسان النبوة في الصحيحين: «الأنبياء إخوة لِعَلاَّت، أمهاتهم شتى ودينهم واحد». وبإعمال النظر الاستقرائي في أمهات كتب التفسير، ومصنفات الملل والنحل، ومدونات الفقه المقارن، يتضح للمحقق أن توصيف “الشريعة الأقرب” إلى الإسلام ليس توصيفاً أحادي البعد، بل هو مدارٌ ذو قطبين متمايزين: قطب يتصل بالمودة الوجدانية والسمو الروحي والأخلاقي، وقطب يرتكز على التماثل الهيكلي في الناموس التشريعي والتنزيه الاعتقادي.
تتجلى شريعة المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام في مقام الصدارة الوجدانية والأخلاقية بالنص القرآني الصريح وإجماع المفسرين المحققين؛ إذ يقول الحق سبحانه في سورة المائدة: «وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ». وقد فصّل الإمام ابن جرير الطبري في سفره “جامع البيان عن تأويل آي القرآن” دلالات هذا النظم الكريم، موضحاً أن مناط هذا القرب يعود إلى رقة الأفئدة، وسكون الطوية، والتجرد عن الاستكبار، والانعطاف نحو التواضع والزهد، مما جعل نفوس الصادقين منهم أسرع استجابة لبوارق الحق؛ وهو ما برهنه التاريخ بنوازل مشهودة، كفيض دموع النجاشي وأساقفته حين تُلِيَتْ عليهم آيات سورة مريم في الحبشة، ومسارعة ورقة بن نوفل إلى تصديق النبأ في فجر البعثة النبوية. ويزيد الحافظ ابن كثير في “تفسير القرآن العظيم” هذا الوجه بياناً بإبراز الوصل الزمني والروحي المباشر بين الرسالتين، متكئاً على الحديث المروي في صحيح البخاري: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لِعَلاَّت، ليس بيني وبينه نبي».
وفي المقابل، ينتقل الباحث إلى صعيد البناء القانوني والنسق التشريعي ليجد شريعة موسى عليه السلام، المتمثلة في التوراة في أصلها التنزيلِي الرباني، هي الأقرب شَبَهاً ومحاكاةً لمنظومة الإسلام التشريعية والعقدية. وقد أقام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه “الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح”، وتلميذه شمس الدين ابن قيم الجوزية في “هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى”، مقارنة منهجية عميقة بين الشرائع، خلصا فيها إلى أن الناموس الموسوي كتاب أحكام وقضاء، وتفصيل لحدود الحلال والحرام، وسياسة للأمة بسلطان الشريعة وإقامة العدل الصارم، في حين جاء الإنجيل متمماً ومزكياً للأخلاق، ومائلاً نحو الفضل والمسامحة، ورافعاً لبعض الآصار والأغلال؛ فجاءت شريعة القرآن مهيمنة وجامعة بين صرامة العدل التي امتازت بها شريعة موسى، وسماحة الفضل والإحسان التي ارتكزت عليها دعوة عيسى.
ويتأكد هذا التماثل الناموسي بين الإسلام واليهودية التوراتية عند فحص أبواب المعاملات وفقه الطهارة والعبادات؛ إذ يلتقيان في سنّة الختان، والاشتراط الصارم في أحكام الذكاة وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، فضلاً عن تشريعات القصاص والحدود المنضبطة، والأحكام الجنائية الناظمة لحفظ الأنفس والأموال. ويبلغ هذا التقارب ذروته في البناء التوحيدي، حيث تشترك الشريعتان في الصرامة التنزيهية المطلقة، ونفي التجسيد والتماثيل والتثليث، وتجريد الإلهيات من شوائب التشبيه والصور الحسية؛ ولأجل ذلك نعت القرآن الكريم التوراة بوصفها مرجعاً قضائياً وحكماً نافذاً قامت عليه النبوات: «إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ».
إن الخلاصة التأصيلية التي ترتادها أمهات كتب الفكر الإسلامي تكمن في أن الإسلام لم ينبثق كنسق مفارق لمحيطه النبوي، بل تجلى وريثاً شرعياً لملة إبراهيم الحنيفية، وهي الجذع المشترك الذي تفرعت عنه سائر الرسالات؛ حيث يقرر التنزيل العزيز في سورة آل عمران: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا». وفي ضوء ما حرره الإمام القرطبي في “الجامع لأحكام القرآن” عند بيان خاتمية الرسالة وهيمنتها، تبدو النصرانية أقرب الشرائع في رقة القلوب وأبعاد التزكية ومشاعر المودة الإنسانية، بينما تبدو شريعة موسى أقربها في هيكلة الناموس، ودقة الأحكام، وتفاصيل الفقه، وصيانة جناب التوحيد التنزيهي؛ ليبقى الإسلام هو الصرح التكاملي الخاتم الذي زاوج بين دقة الشريعة وسكينة الحقيقة، فجمع بين متانة التشريع ونورانية الأخلاق في وحدة موضوعية شاملة لكل مناحي الوجود.







