
إن ما لفت الانتباه في كواليس استقبال وفدي حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال ليس مجرد لقاءات بروتوكولية، بل رسائل سياسية حُبلى بالدلالات، تُغري بالتحليل وتفتح المجال لقراءة ما بين السطور:
الرسالة الأولى (وجهتها: حزب الأحرار):
جاءت صريحة لا تحتمل التأويل؛ فبعد التصريح الشهير للراشدي الطالبي العلمي بأن وزارة المالية حكرٌ على “للا نادية”، يظهر أن الرد جاء سريعاً وحاسماً. وكأن لسان حال الجهة المقابلة يقول: “أنا هنا، أسمعكم جيداً.. خذوا ما شئتم من الحقائب، واتركوا لي قيادة الدفة المالية.” رسالةٌ يبدو أن الطالبي العلمي استوعب أبعادها مبكراً، وهو ما عكسته ملامحه وانفعالاته المتوجسة.
الرسالة الثانية (وجهتها: حزب الاستقلال):
فهي الأعمق أثراً والأكثر إثارة للجدل، وتتجلى في إعادة إبراز شخصية أحمد أخشيشن—وزير التربية الوطنية في حكومة عباس الفاسي، وصاحب “البرنامج الاستعجالي” الذي أسال الكثير من المداد بعد تقارير رسمية (وعلى رأسها تقارير المجلس الأعلى للحسابات برئاسة جطو) أشارت إلى تبخر ما يقارب 40 مليار درهم دون أثر ملموس.
إن توقيت هذه الرسالة يطرح أكثر من علامة استفهام: هل يسعى “البام” لفرض إيقاعه مبكراً والتمهيد لقيادة الحكومة المقبلة عبر رد الاعتبار المعنوي لرموزه؟ أم هي مناورة استباقية وتصفية حسابات قديمة مع حزب الاستقلال الذي يُعد رقماً صعباً في قطاع التعليم بنقابته القوية؟
تكتسي هذه الخطوة أبعاداً تاريخية؛ إذ تعيد إلى الأذهان الجدال الشهير حين تولى الراحل محمد الوفا (القيادي الاستقلالي) الوزارة خلفاً لأخشيشن، وكشف بالأرقام والوثائق اختلالات المخطط الاستعجالي موثقاً عدم وصول تلك الميزائيات الضخمة للأكاديميات والمدارس.
ختاماً؛ هل يمهد أخشيشن لمعركة جديدة مع الاستقلاليين حول حقيبة التعليم؟ وهل يعي حزب “البام” خطورة بعث رسائل مبطنة عبر أسماء ترتبط في الذاكرة الجمعية للمغاربة بمحطات سياسية مثيرة للجدل؟






