
حين تُقرر الأجهزة الأمنية الرسمية في شرق الحدود أن تقدم للعالم حبكة درامية تليق بشاشات السينما الصامتة، فإنها لا تكتفي بنسج خيوط العبث، بل تقدم تقريراً استخباراتياً عجيباً يروي تفاصيل “ملحمة أمنية” غير مسبوقة؛ إذ خرجت علينا المديرية العامة للأمن الوطني ببيان يزعم تفكيك شبكة إجرامية دولية خطيرة تضم واحدًا وستين شخصاً يحملون الجنسية المغربية، وُصِفوا بأنهم كانوا بصدد تنفيذ “أعمال تخريبية” وضرب استقرار النظام العام في مدينة وهران. ووفقاً للرواية الرسمية التي تناقلتها وكالات الأنباء ووسائل الإعلام الجزائرية بكل جدية، فإن هذه الخلية “العابرة للقارات” اختارت خط سير لوجستياً مذهلاً؛ فقد انتقل أفرادها جواً من المغرب إلى تونس لعدم وجود رحلات مباشرة، ثم تسللوا براً عبر المسالك الوعرة والغابات الحدودية لمنطقة “القالة”، وصولاً إلى غرب البلاد، محملين بـ “ترسانة مدمرة” من هواتف محمولة، وجوازات سفر، وسيارات بلوحات ترقيم محلية، وقوارب “زودياك”، دون أن ينسوا اصطحاب نساء ورجال لتمويه الاستخبارات. وبدل أن تُعرض هذه المسرحية على لجان التحكيم السينمائي لنيل جائزة الأوسكار في الكوميديا السوداء، جرى تقديم الموقوفين أمام القطب الجزائي المتخصص، في مشهد يثبت أن الرواية الرسمية لا تقدم سوى هزل أمني يحاول عبثاً تغطية عجز الواقع.
واقعية المحجوزات ونسف أبجديات العمليات الاستخباراتية:
من منظور قواعد العمليات الاستخباراتية وأبجديات العمل الأمني السري، فإن هذه “الرواية الرسمية” تنسف نفسها بنفسها وتجهض أبسط قواعد التخطيط العسكري والمخابراتي. تبدأ العثرة الأولى في المفهوم الفضفاض والمبهم للاتهام؛ إذ اكتفت السلطات بعبارة مطاطية هي “تنفيذ أعمال تخريبية” دون أن تجرؤ على تحديد ماهيتها! ففي القانون الجنائي والعلوم الأمنية، التخريب يتطلب توصيفاً دقيقاً: هل كنا أمام مخطط لتفجيرات يستهدف مقرات سيادية؟ أم هجمات بسلاح ناري على بنى تحتية؟ أم أعمال شغب وإحراق؟ أم القرصنة والتجسس الرقمي؟ إن تعمد ترك التهمة “فضفاضة” بلا عنوان ينبئ بانتفاء أي قرينة مادية، ويؤكد أن الأجهزة الأمنية لم تجد متفجراً واحداً ولا صاعقاً ولا خريطة لمنشأة حيوية لترفقها بالبلاغ!
أما عن وسائل التنفيذ، فإن أي عملية تسلل تهدف إلى “التخريب” تخضع لبروتوكولات صارمة تُعرف بـ أمن العمليات (OpSec) وأمن الاتصالات (COMSEC)؛ حيث تعتمد الخلايا السرية على أجهزة اتصال مشفرة، أو هواتف فضائية، لمنع التتبع الجغرافي. لكن ما عُرِض على الطاولات الأمنية كان عبارة عن هواتف ذكية شخصية وعادية، وهي بمثابة “منارات تعقب رقمية” تكشف فوراً مواقع حامليها!
الاستحالة اللوجستية والبصمة الرقمية (الضربة القاضية للحبكة):
تزداد الحبكة تهافتاً عند إسقاط مبدأ التتبع الميداني والبيانات الجغرافية (Metadata) على المسار المزعوم؛ فالادعاء بأن هذه المجموعة قطعت مسافة تتجاوز 1000 كيلومتر براً من غابات “القالة” في أقصى الشرق إلى “وهران” في أقصى الغرب، برفقة نساء وأفراد لا يمتلكون أوراق إقامة رسمية، يضرب أبسط حقائق الواقع الأمني الجزائري الذي يتسم بكثافة نقط التفتيش ومستوقفات الدرك الوطني على طول الطرق الوطنية والسريعة. إن اختراق دولة كاملة طولاً وعرضاً دون توقيف فرد واحد ينسف إما كفاءة المنظومة الأمنية الداخلية أو يثبت الحقيقة الساطعة: الموقوفون كانوا متواجدين محلياً وبشكل عادي في وهران وتم تجميعهم هناك!
علاوة على ذلك، تكتمل العثرة الإخراجية في مسألة التمويل والسيولة المالية؛ إذ أظهرت المحجوزات مبالغ مالية بالدرهم المغربي وبضعة أورو، بينما تقتضي أبجديات التخفي المالي لأي خلية موازنة تحركاتها إما بـ الدينار الجزائري للشراء المحلي دون إثارة الشبهات، أو بالعملات الرقمية والملاذات غير المباشرة. أما التواجد بـ “الدرهم المغربي” داخل التراب الجزائري لمهمة “تخريبية”، فهو إما غباء تشغيلي لا وجود له إلا في مخيلة مخرج المسرحية، أو دليل ساطع على أن الموقوفين مجرد أناس بسطاء لم تُحدد هوياتهم أو طبيعة أعمالهم بعد، يحملون مدخراتهم الفردية وجيوبهم ملأى بعملة بلدهم الأم قبل السفر! إن خلو المحجوزات من أي مواد تفجيرية أو أسلحة نارية أو مخططات، واقتصارها على قوارب “زودياك” مخصصة حصرياً لشبكات الهجرة غير النظامية ومعاوني الحراكة، يحول هذه المحجوزات إلى شاهد إثبات على براءة الموقوفين وهشاشة حبكة النظام.
سيناريو التجميع وانهيار معايير التجنيد البشري (HUMINT):
حتى في أبجديات إدارة الأصول البشرية والخلايا النائمة (HUMINT)، تستوجب العمليات الاستخباراتية ذات الخطورة العالية انتقاء عناصر مدربة عسكرياً، تتسم بقدرة عالية على تحمل الضغط، ومفصولة تماماً عن البيئة المدنية أو الأسرية العادية. أما أن تضم “خلية تخريبية عابرة للقارات” خليطاً عشوائياً من أشخاص بسطاء لم تُكشف خلفياتهم المهنية بعد، بل وحتى النساء اللاتي ظهرت على وجوههن علامات البؤس والذهول لعدم استيعابهن سبب هذا الظلم، فهذا يمثل انتهاكاً صارخاً لأبسط بديهيات العلوم الأمنية. فالاستخبارات لا تُقحم مدنيين وعائلات لا تُعرف لهم هويات محددة في مهام تخريبية عارية الصدور وبدون أي سلاح ولو حتى سكين مطبخ، مما يؤكد أننا أمام عملية “تجميع اعتباطي” لأفراد ومهاجرين غير نظاميين تم توقيفهم في حملات التمشيط، ثم لُفّق لهم ملف ضخم لتحوير التهم إلى “مؤامرة كبرى”.
هندسة الإلهاء وتوقيت الشوشرة الإقليمية:
لم يكن الشحن الإعلامي المصاحب للبلاغ الرسمي صدفة محتضرة أو زلة أمنية غير محسوبة؛ إذ تعتمد أدبيات إدارة الأزمات في الأنظمة الشمولية أسلوب “صناعة الخطر الخارجي الداهم” كلما تزايدت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والاحتقان الشعبي الداخلي. ففي الوقت الذي تعاني فيه الأسواق المحلية من طوابير كافكاوية ممتدة لمئات الأمتار بحثاً عن المواد الأساسية الدقيقة (كالحليب، والزيت، والدقيق/السميد) فضلاً عن انقطاعات مياه الشرب المتكررة في ولايات بأكملها، يُفضّل النظام توجيه الأضواء والتعبئة الوطنية نحو “عدو خارجي وهمي” يُهدد الأمة والسيادة القومية. كما يتزامن هذا الترويج الإعلامي المكثف مع محاولات خلق جبهة ثانية للشوشرة والإلهاء الدبلوماسي والإعلامي ضد الرباط، تزامناً مع ترقب تحركات وتفاعلات إقليمية أخرى على غرار الزيارة المرتقبة للملك الإسباني لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، لتوظيف ورقة هؤلاء البسطاء ككبش فداء للتغطية على الإحراجات السياسية الخارجية.
هل تبحث الجزائر عن ذريعة لإعلان الحرب؟.
أمام هذه السريالية الأمنية وتوالي الاتهامات الجوفاء، يطرح المتابعون تساؤلاً جوهرياً: هل تشكل هذه المسرحية الأمنية تمهيداً وتباشير لافتغال ذريعة تُفضي إلى إعلان مواجهة عسكرية مباشرة؟
من منظور التحليل الاستراتيجي والعسكري، فإن إعلان الحرب بين الدول يتطلب حشوداً لوجستية، وتعبئة شاملة، وحسابات معقدة لا يمكن أن تُبنى على “تلفيق قضايا لشبكات الحراكة ومهاجرين بسطاء”؛ فالأنظمة التي تتجه بجدية نحو خيار المواجهة المسلحة لا تعتمد على شو إعلامي هزلي أدواته هواتف عادية وقطع من الدرهم وتهم فضفاضة بلا أدلة تفجير. لكن الخطورة الكامنة هنا لا تتمثل في وجود قرار حقيقي بالحرب، بل في “استراتيجية اللعب على حافة الهاوية”؛ إذ إن مواصلة حقن الرأي العام بعقيدة “العدو الداهم” للتغطية على الأزمات الاجتماعية والانهيار الداخلي تتسبب في تجريف الحواجز النفسية والدبلوماسية، وهو سلوك غير مسؤول قد يؤدي إلى سوء تقدير وانزلاقات ميدانية غير محسوبة على الشريط الحدودي، أبطالها عسكر يهربون من واقع الطوابير نحو المغامرة.
المآلات الحقوقية والتداعي القضائي المرتقب:
على الرغم من استمرار الإعلام الرسمي والقطب الجزائي المتخصص بوهران في تسويق وتضخيم الملف، إلا أن حبل التلفيق والتزوير قصير جداً؛ فالتحركات الواسعة التي يقودها ناشطون حقوقيون وجمعيات حقوقية من تونس والجزائر والمغرب للتقدم بدعوى مشتركة ورسائل موثقة بالدلائل المادية إلى منظمة العفو الدولية (Amnesty) والمؤسسات الأممية ذات الصلة، ستضع القضاء الجزائري أمام اختبار حقوقي دولي غير مسبوق. إن غياب الأدلة المادية القاطعة وانتفاء التوصيف الجنائي الفعلي للتخريب، إضافة إلى الاستحالة اللوجستية للمسار المزعوم وانعدام أبسط قواعد العمليات الاستخباراتية، سيجعل هذه المحاكمة المزعومة مجرد ملف تعسفي مكشوف يُضاف إلى سجل الانتهاكات وتصفية الحسابات السياسية، لتبقى الأيام القادمة شاهدة على أن التحول إلى صناعة “المؤامرات الفولكلورية” لا يمنح الشرعية، بل يكشف فقط عن هشاشة جارٍ يهرب من طابور الحليب والزيت إلى اختراع أعداء وهميين يحملون دراهم مغربية وهواتف عادية.
سقطة الإخراج وانكشاف شعار “القوة الضاربة“:
تُبرز هذه الواقعة مفارقة صارخة كان حَرِيّاً بالقيادات الحكيمة والدوائر الممسكة بزمام القرار الانتباه إليها؛ إذ كيف لمؤسسة تدّعي الامتلاك المطلق لأدوات الردع وبسط نفوذ “القوة الضاربة” التي تُنفق المليارات لتكريس هيبتها الإقليمية، أن تقع في سقطة إخراجية أمنية بهذه السذاجة؟ إن ترويج رواية هشة لا تسندها بديهيات الجغرافيا ولا قواعد الاستخبارات يُسقط وقار المؤسسات الشمولية، ويكشف عن تخبط في إدارة الأزمات الخارجية. وبدلاً من تظهير قدرات الدولة ونجاعتها الميدانية، حوّلت هذه الرواية المشهد إلى إدانة صريحة لصنّاع القرار، أظهرت أن الاستعراض بالشعارات الكبيرة يعجز عن التغطية على ارتباك أمني لا يمت بصلة لحكمة الدول ولا لمهابة المخابرات.








