أراء وكتابسياسة

واشنطن تحاصر القضاء الدولي لحماية الاحتلال

لم تعد المواجهة المفتوحة التي تخوضها الولايات المتحدة ضد مسار العدالة الدولية تقف عند حدود الترهيب الفردي أو الملاحقة الانتقائية للقضاة والمدعين العامين، بل انزلقت إلى منعطف تاريخي خطير يستهدف تقويض البنيان المؤسسي للقضاء الجنائي الدولي من جذوره. فحين تقرر الإدارة الأمريكية إدراج المحكمة الجنائية الدولية ذاتها في قوائم العقوبات، فإنها تضع مسار المساءلة عن الجرائم المرتكبة في قطاع غزة أمام امتحان وجودي عسير، وتطرح تساؤلات حارقة حول مدى قدرة هذه المؤسسة القضائية والدول المنضوية تحت لوائها على صون استقلالها وتأمين استمرارية عملها في وجه عاصفة الابتزاز السياسي والمالي.
​هذه التحولات المتسارعة بتعقيداتها القانونية والسياسية والتشغيلية تشكل محور قراءة معمقة قدمتها ورقة بحثية حديثة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية تحت عنوان «من استهداف الأشخاص إلى خنق المؤسسة: العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية وحدود حماية مسار المساءلة عن جرائم غزة»، وهي الدراسة التي تتبعت خيوط التصعيد الأمريكي وصولاً إلى استشراف فرص احتواء تداعياته خلال الأشهر المقبلة. فمنذ صدور الأمر التنفيذي الأمريكي رقم 14203 في فبراير 2025، تدرجت واشنطن في خطواتها العقابية؛ إذ بدأت باستهداف المدعي العام والقضاة وشخصيات مرتبطة بالمحكمة، ثم وسعت دائرة الاستهداف لتشمل مؤسسات حقوقية فلسطينية تضطلع بدور محوري في توثيق الجرائم، قبل أن تبلغ ذروة هذا المسار في التاسع من أكتوبر 2026 بإدراج المحكمة بوصفها كياناً كاملاً على قائمة المواطنين المحظورين، ما نقل المعركة رسمياً من مربع الضغط على الأفراد إلى محاولة تطويق المؤسسة وخنقها بالكامل.
​غير أن القراءة الفاحصة في هندسة القرار الأمريكي تكشف عن تكتيك يزاوج بين التضييق القانوني والمناورة الزمنية؛ فإدراج المحكمة على لائحة الحظر لم يأتِ في صورة إغلاق فوري ومطلق لجميع أنشطتها، بل تزامن مع إصدار أربع رخص عامة تتيح استمرار حزمة من المعاملات والخدمات الأساسية، كمدفوعات الدول الأطراف والرواتب والتأمين الصحي والخدمات الطبية، وذلك حتى السابع من أبريل 2027 بالنسبة إلى الرخصة العامة رقم 13. بيد أن الفخ الحقيقي الكامن وراء هذا الإجراء لا يتمثل في منطوق الحظر المباشر فحسب، بل في ظاهرة «الامتثال المفرط» التي تحكم سلوك المصارف والشركات ومقدمي الخدمات حول العالم؛ إذ تدفعهم خشية التعرض للعقوبات الأمريكية الثانوية إلى المبادرة طوعاً لقطع تعاملاتهم مع المحكمة، الأمر الذي يهدد بشل قنوات التمويل والخدمات التقنية والتأمين، ويجعل من قضية حماية المؤسسة معضلة هيكلية تتجاوز بكثير مجرد البحث عن بدائل للدفع بعيداً عن هيمنة الدولار.
​وأمام هذا الحصار الممنهج، تتجلى أزمة النظام الدولي في تلك الفجوة الفاضحة بين الضجيج الدبلوماسي الرافض للعقوبات وبين غياب الأدوات العملية الكفيلة بصدها. فعلى الرغم من توالي الاعتراضات الصادرة عن دول أوروبية، والمواقف المعلنة من جانب الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي، لا يزال تفعيل «نظام التعطيل الأوروبي» مجمداً في دائرة التنظير دون أن يتحول إلى إجراء عملي يحمي الشركات والمؤسسات الأوروبية المتعاملة مع المحكمة، فضلاً عن غياب التزامات تنفيذية كافية تضمن انسياب مدفوعات المحكمة وتحصين معاملاتها المالية والإدارية.
​ولا يقف هذا الانفصام الدولي عند التخوم المالية والتشغيلية، بل يمتد ليضرب في الصميم قضية تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالانت. فحقيقة أن إدراج المحكمة على لائحة العقوبات الأمريكية لا يملك أثر إلغاء تلك المذكرات قانونياً، ولا يُسقط الالتزامات القانونية المترتبة على الدول الأطراف بموجب نظام روما الأساسي، تصطدم بواقع أن التنفيذ الفعلي يظل رهناً بالإرادة السياسية للحكومات وسلوكها على الأرض. ولعل التباين الصارخ في مواقف الدول يوضح حجم هذا المأزق؛ إذ مثّل إخفاق المجر في تنفيذ مذكرة التوقيف خلال زيارة نتنياهو في أبريل 2025 سابقة خطيرة، في حين لا تزال تعهدات دول أخرى بالالتزام بالتنفيذ مجرد مواقف معلنة لم تخضع في معظمها لاختبار عملي حقيقي.
​إن الخروج من دائرة العجز الراهن يفرض على القوى الدولية الداعمة للعدالة الانتقال السريع من الاكتفاء برفض العقوبات سياسياً إلى بناء منظومة أدوات عملية للحماية قبل فوات الأوان. ويتطلب هذا المسار ضغطاً حقيقياً لتفعيل نظام التعطيل الأوروبي، وإنشاء قناة مؤسسية مستقلة تضمن تدفق مدفوعات المحكمة ورواتب موظفيها، بالتوازي مع استكمال انتقال المحكمة نحو بدائل تقنية وتأمينية أوروبية خالصة، وانتزاع تعهدات رسمية مكتوبة من الدول الأطراف بالالتزام الصارم بتنفيذ مذكرات التوقيف. كما تستوجب المعركة توفير مظلة حماية قانونية ومالية للمنظمات الحقوقية الفلسطينية المدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية، إلى جانب تفعيل مبدأ «الاختصاص القضائي العالمي» في المحاكم الوطنية للدول التي تتيح تشريعاتها ذلك، بما يخلق مسارات قضائية موازية تمنع احتكار مسار المساءلة أو تعطيله.
​في المحصلة، تشير معطيات المشهد الراهن إلى أن الأشهر القليلة المقبلة حبلى باحتمالات احتواء جزئي لتداعيات العقوبات، لكنه احتواء سيظل مشوباً باستمرار تآكل بعض قدرات المحكمة وشبكة الخدمات الحيوية المرتبطة بها، ما لم تبادر الدول الأوروبية إلى اتخاذ خطوات تنفيذية حاسمة قبل انتهاء المهلة الأمريكية في السابع من أبريل 2027. فالأزمة الراهنة، وإن كانت لا تعني انهيار المحكمة الجنائية الدولية بصورة حتمية، فإنها في المقابل لا تمنحها صك صمود تلقائي؛ إذ تبقى مذكرات التوقيف قائمة بقوة القانون، غير أن مستقبل المساءلة عن جرائم غزة سيظل مرهوناً بمدى قدرة المجتمع الدولي على ترجمة بيانات الرفض السياسي إلى التزامات قانونية ومالية ومؤسسية صلبة وقابلة للقياس.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا