سياسة

​صمت المغرب الاستراتيجي وعاصفة سبتة ومليلية القادمة

​في لُجّة التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يبرز المشهد الإقليمي كمسرح لتقاطع الأجندات الخفية والدسائس المحوكة في الغرف المغلقة للنيل من سيادة المملكة المغربية وثوابتها التاريخية؛ وحيث اعتادت الدبلوماسية المغربية تاريخياً على مواجهة الاستفزازات -وفي مقدمتها زيارة ملك إسبانيا لثغري سبتة ومليلية المحتلتين- ببيانات التنديد شديدة اللهجة والاحتجاج الصارم، يطالعنا المشهد الراهن بصمت استراتيجي مطبق يثير في نفوس المتربصين ريبة الأعداء قبل حيرة الأصدقاء، متخدًا من هدوء العواصف سبيلاً لتجميع الأوراق وتجهيز الضربات الكبرى في مهدها. هذا الصمت المترفع لا يعدو أن يكون هندسة دقيقة لردود فعل تحضر لما هو أبعد، وتتكامل مع قراءة واعية لتوقيتات بالغة الحساسية تحاول القوى المناهضة استغلالها، لا سيما بالتزامن مع استحقاقات جلسة مجلس الأمن الدولي المرتقبة في أواخر أكتوبر بشأن الصحراء المغربية، وتكالب أوروبي مصطنع يوفر الغطاء لمدريد تعاطفاً مع تداعيات أزمة سبتة الأخيرة. غير أن العقيدة الدبلوماسية للرباط أعمق غوراً وأبعد نظراً، إذ تعمد إلى تفكيك خيوط شبكة معقدة من التواطؤ الاستخباراتي المفضوح بين الدوائر الجزائرية والإسبانية، اللتين وحدتا الجهود وسخرتا الأدوات في توقيت مشبوه لإرباك الجبهة الداخلية المغربية؛ ومن أبرز شواهد هذه المسرحية الهزلية إخراج سيناريو اعتقال ما سمي بواحد وستين إرهابياً من قبل النظام الجزائري لتصدير الأزمات واختلاق فزاعات وهمية تحاول تشويش الرؤية المغربية، وكذا أزمة الهجرة المفتعلة في سبتة التي تؤكد التقارير أن الاستخبارات الإسبانية كانت على علم مسبق بتفاصيلها، في مسرحية هزلية أُريد منها ترك أعداد محدودة من الحرس المدني لتوجيه أصابع الاتهام للرباط واستجداء التعاطف الأوروبي المفلس. هذا التحالف المشبوه بين نظام عاجز ودولة تعاني تداعيات أزمات طاقية واقتصادية خانقة –امتدت من ارتدادات الحرب الأوكرانية والتوترات الإيرانية إلى مأزقها مع إسرائيل وأروقة الاتحاد الأوروبي– يعكس صحوة ذهنية استعمارية بائدة في دواليب الدولة العميقة بمدريد، التي دفعت برئيس حكومتها نحو صراعات داخلية عجّلت بانتخابات مبكرة، لتجد الجزائر في هذا المأزق ضالتها وتقدم عروضاً طاقية سخية لتمويل غيظها، ملتقيةً مع رغبة مدريدية متأججة في تسويق وهم الخطر الخارجي لتبرير الفشل الداخلي. وما زاد الطين بلة وأجج هلع هذه العواصم هو التقارب الاستراتيجي الثلاثي غير المسبوق بين المغرب والإمارات وإسرائيل، وهو زلزال جيوسياسي أخل بموازين القوى وأفزع الدوائر المناهضة للوحدة الترابية، فدفع محور الجزائر ومدريد للارتماء في أحضان بعضهما، متقاسمين أدوار المزايدة الرخيصة والدعم الفضفاض وشبه الوهمي للقضية الفلسطينية استهلاكاً للرأي العام العالمي دون تقديم فعل حقيقي على الأرض. وأمام هذه الجوقة من المناورات المأفونة، آثر المغرب الصمت الواعي مطوراً استراتيجية الانتظار الخلّاق ليرقب سقوط أوراق التوت عن عورات المتآمرين في قادم الأيام؛ ولكل فصل في تاريخ الأمم خاتمته الحتمية، فمهما طال أمد المناورات وامتدت خيوط المؤامرات، فإن ملف المدينتين المحتلتين، سبتة ومليلية، لن يبقى معلقاً إلى الأبد في رفوف التاريخ المنسية، بل يلوح في الأفق القريب مشهد دراماتيكي مهيب يفضي بفضله إلى طي هذا الملف نهائياً وعودة المدينتين السليبتين إلى حضيرة الوطن الأم عبر بوابات الشرعية والمحكمة الدولية، لتُسطر تفاصيل هذه النهاية الباهرة في أسفار المجد كشاهد حي على أن الحقوق المغربية لا تضيع مهما اشتدت عواصف الغدر والبهتان.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا