
دخلت إسبانيا منعطفاً سياسياً بالغ التعقيد والحساسية عقب إعلان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة حُدد موعدها في التاسع والعشرين من نوفمبر 2026، في خطوة بدت وكأنها إقرار رسمي بوصول تجربته الائتلافية إلى طريق تشريعي وسياسي مسدود. لم يكن هذا القرار وليد لحظة عابرة، بل جاء تتويجاً لتراكمات متسارعة هزت الاستقرار الهش الذي ميز ولايته الأخيرة، وجعلت من استمرار حكومة الأقلية أمراً شبه مستحيل في ظل تداعي التحالفات وتصاعد الغضب في الشارع.
شكل الانفجار الاجتماعي الناجم عن أزمة السكن وغلاء المعيشة الشرارة المباشرة التي عجلت بسقوط الحكومة؛ إذ اجتاحت العاصمة مدريد والمدن الكبرى تظاهرات حاشدة ضمت عشرات الآلاف من المواطنين الغاضبين من الارتفاع الجنوني في أسعار الإيجارات وتقلص المعروض السكني. وحين حاولت الحكومة احتواء هذا الاحتقان بتقديم حزمة مراسيم طارئة تفرض قيوداً مشددة على سوق الإيجارات وتوفر ضمانات للمستأجرين، تلقت صفعة برلمانية مدوية تحت قبة مجلس النواب، حيث سقطت المراسيم بفعل تمرد الحلفاء والخصوم على حد سواء، كاشفة عجز السلطة التنفيذية عن تمرير حتى أبسط تشريعاتها الحمائية في توقيت بالغ الدقة.
تعود جذور هذا الانهيار البرلماني إلى التفكك الدراماتيكي لتحالف الأغلبية غير المتجانس الذي بنيت عليه الحكومة؛ فالائتلاف اليساري وجد نفسه عاجزاً عن الحفاظ على تفاهماته مع حزب “معاً لأجل كتالونيا” بزعامة كارلس بودجمون، الذي قرر معاقبة سانشيز عبر التصويت لصالح إسقاط القوانين الحكومية جنباً إلى جنب مع المعارضة اليمينية المتمثلة في الحزب الشعبي وحزب فوكس. هذا التقاطع التكتيكي النادر بين الانفصاليين الكتالونيين واليمين القومي وضع نهاية فعلية لما عُرف بتحالف “فرانكشتاين”، وجعل إقرار الموازنة العامة واستكمال الأجندة التشريعية ضرباً من المستحيل.
تزامن هذا الشلل البرلماني مع ضغوط خانقة حاصرت معسكر الحزب الاشتراكي من جبهات متعددة؛ إذ واصلت المؤسسة القضائية تحقيقاتها المكثفة في ملفات وشبهات فساد طالت دوائر وشخصيات لصيقة بالحكومة والبيئة الحزبية المحيطة بها، ما أحدث تصدعات في الخطاب الأخلاقي الذي لطالما رفعه سانشيز. وفي الوقت ذاته، تصاعد السجال السياسي الحاد حول إدارة تدفقات الهجرة غير النظامية والضغوط الأمنية والإنسانية المتزايدة على حدود مدينتي سبتة ومليلية والجزر الكنارية، وهي ملفات استغلها اليمين ببراعة لتغذية مشاعر القلق وتوجيه انتقادات لاذعة لإدارة الأزمات في البلاد.
تعكس استطلاعات الرأي المجراة مع مطلع شهر أكتوبر 2026 تحولاً نوعياً في المزاج العام لصالح معسكر اليمين؛ إذ يتصدر الحزب الشعبي بزعامة ألبرتو نونييز فيخو نوايا التصويت بنسبة تتراوح بين 31.6% و32.4%، ما يمنحه ما بين 128 و142 مقعداً، بينما يواصل حزب “فوكس” القومي الصعود مستقراً عند نسبة تتراوح بين 18.2% و18.4% بحصة مقاعد تتراوح بين 65 و75 مقعداً، مستنداً إلى قاعدة انتخابية صلبة تتميز بأعلى نسبة ولاء للناخبين تفوق 87%. وبجمع أصوات قوى اليمين—بما فيها تشكيلات أصغر كحركة “انتهت الحفلة”—تتجاوز الكتلة المحافظة حاجز 51% إلى 52% من نوايا التصويت الإجمالية، وهو ما يضعها في موقع مريح لتخطي عتبة الأغلبية المطلقة المحددة بـ 176 مقعداً من أصل 350 في مجلس النواب.
في المقابل، يبدو معسكر اليسار في موقع الدفاع والتراجع مع استقرار الحزب الاشتراكي عند 26.2% إلى 27.4% بمقاعد تتراوح بين 100 و115 مقعداً، معانياً من تداعيات تفكك الفضاء التقدمي الراديكالي؛ حيث أدى الانفصال الحاد بين حركة “سومار” التي هوت إلى ما بين 5.6% و11.9% (20 إلى 45 مقعداً) وحزب “بوديموس” الذي تراجع إلى نحو 2.7% (3 إلى 5 مقاعد) إلى تشتيت الأصوات اليسارية، وتفعيل الآثار العقابية لنظام “هوندت” الانتخابي الذي يقصي القوائم المنقسمة في الدوائر الصغرى والمتوسطة. أما التشكيلات الإقليمية الكتالونية والباسكية، كحزب اليسار الجمهوري وحزب بيلدو والحزب القومي الباسكي، فتبدو محصورة في حدود 25 إلى 30 مقعداً مجتمعة، دون قدرة حاسمة على تعويض خسائر اليسار المركزي.
أمام هذه الخريطة المعقدة، تبرز ثلاثة سيناريوهات تحدد ملامح اليوم التالي لانتخابات نوفمبر؛ أولها وأكثرها ترجيحاً من الناحية العددية هو تشكيل حكومة ائتلافية يمينية تجمع الحزب الشعبي وحزب فوكس برئاسة فيخو، إلا أن هذا المسار يصطدم بإصرار سانتياغو أباسكال على انتزاع حقائب وزارية سيادية، وهو أمر يخشى الحزب الشعبي تبعاته على صورته الدولية وعلاقاته داخل الاتحاد الأوروبي. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في محاولة يائسة من سانشيز لتكرار مفاجأة عام 2023 عبر رهن بقائه بتحالف هجين وواسع يضم جميع أطياف اليسار والأحزاب القومية، وهو احتمال تبدو دونه عقبات تكاد تكون مستحيلة في ظل الشروط المرتفعة لممثلي إقليم كتالونيا وخيبة أملهم من مخرجات تطبيق قانون العفو العام.
يبقى السيناريو الثالث محصوراً في فرضية الانسداد المؤسسي الشامل، في حال فشل اليمين بفارق طفيف في بلوغ عتبة الـ 176 مقعداً وامتناع القوى الإقليمية عن منح الثقة لسانشيز؛ وهو مسار سيعيد إنتاج أزمة الشلل السياسي ويدفع إسبانيا مجدداً نحو انتخابات مكررة في مطلع 2027. إن هذا الاستحقاق لا يمثل مجرد منافسة انتخابية روتينية، بل هو استفتاء مصيري على موقع إسبانيا السياسي والاقتصادي، وصراع مفتوح بين رغبة يمينية حاسمة في طي صفحة التحالفات مع النزعات الانفصالية، ومحاولة أخيرة من اليسار لإعادة ترتيب صفوفه وإنقاذ نموذجه الاجتماعي في بيئة أوروبية تميل بوضوح نحو المحافظة والتشدد.







