تعيش العاصمة الفرنسية باريس، اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، على وقع استنفار أمني وسياسي غير مسبوق عقب ليلة دامية جديدة من المواجهات وأعمال النهب التي رافقت الحراك الاجتماعي المندد بغلاء المعيشة وتدهور قطاع التعليم. وفي أحدث التطورات الرسمية، ترأس رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو اجتماعًا طارئًا لخلية الأزمة الوزارية في مقر وزارة الداخلية، أعلن عقبه توجيه تعليمات للمحافظين بفرض حظر تجول جزئي ومحدد جغرافيًّا لحماية المحالّ التجارية مع استبعاد تطبيقه على باريس كلها، ملوِّحًا صراحةً بتفعيل حالة الطوارئ إذا استمرت الاضطرابات، ومُقرًّا حزمة تعويضات مالية عاجلة للمتضررين. وتزامن هذا التصعيد مع إعلان قصر الإليزيه عند الساعة السابعة وثماني عشرة دقيقة صباحًا رفض الرئيس إيمانويل ماكرون الاستقالة التي تقدم بها وزير الداخلية لوران نونييز، إثر إقرار الأخير بحدوث فقدان للسيطرة الأمنية في المدن الكبرى واعتراف وزير العدل جيرالد دارمانان بإخفاق السلطات؛ إذ طالب ماكرون وزير داخليته بالبقاء في منصبه وتطبيق عقيدة أمنية جديدة في مواجهة المخربين، وفق ما أوردته وكالتا “رويترز” و”فرانس برس”.
وميدانيًّا، كشفت الحصيلة الرسمية الصادرة عن وزير الداخلية لوران نونييز وعمدة باريس إيمانويل غريغوار عن توقيف 351 شخصًا في العاصمة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية بعد تعرض 30 متجرًا للنهب والتخريب في أحياء متفرقة. وامتد الشلل صباح اليوم ليطول المعالم الثقافية الكبرى؛ إذ أغلق متحف اللوفر أبوابه وتعذر افتتاحه في موعده المعتاد عند الساعة التاسعة صباحًا، بعد إقدام 50 طالبًا من “مدرسة اللوفر” و”مدرسة الفنون الجميلة” على قطع المدخل الرئيس تضامنًا مع حراك تلاميذ الثانويات وتنديدًا بتدخلات الشرطة، بحسب تأكيدات نقابتي “الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل” و”الكونفدرالية العامة للشغل”. وتأتي هذه التطورات استكمالًا لموجة الاحتجاجات الكبرى التي انطلقت يوم السبت 17 أكتوبر بمشاركة راوحت بين 550 ألف متظاهر وفق وزارة الداخلية و800 ألف متظاهر بحسب المنظمين، والتي خلّفت في حصيلتها التراكمية توقيف 855 شخصًا في باريس الكبرى وُضع منهم 557 قيد الحراسة النظرية، و2397 موقوفًا على الصعيد الوطني أُبقي منهم 2331 رهن الاحتجاز، فضلًا عن إصابة 997 عنصرًا من قوات الشرطة والدرك والإطفاء بينهم سبعة في حالة خطيرة، وتسجيل حالة وفاة لمتظاهر واحد إثر نوبة قلبية في باريس، وتضرر ما بين 1500 و2000 متجر في عموم فرنسا وفق تقديرات غرف التجارة والصناعة.
وسياسيًّا، فجّرت أزمة باريس حرب اتهامات مفتوحة قبل ستة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027، ولا سيما بعد الخطاب المتلفز للرئيس إيمانويل ماكرون الذي تابعه 16.7 مليون مشاهد، وتعهد فيه بمحاسبة المتورطين في النهب والحرق دون تقديم إجراءات اقتصادية ملموسة. وبينما حمّلت الناطقة باسم الحكومة مود بريجون حزب “فرنسا الأبية” بقيادة جان لوك ميلانشون المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن العنف، اتهم عمدة باريس الاشتراكي إيمانويل غريغوار الحكومة بتعميق تعفن الحراك الاجتماعي، وحذّر المرشح الرئاسي رافائيل غلوكسمان من عجز الدولة الذي يصب في مصلحة اليمين المتطرف، في حين سارع رئيس حزب “التجمع الوطني” جوردان بارديلا إلى وصف المشهد بأنه انهيار تام للسلطة متهمًا اليسار الراديكالي بالسعي لإشعال حرب أهلية. وتجاوزت أصداء الأزمة الحدود الفرنسية مع دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس على خط التطورات عبر منصة “تروث سوشيال” وربطهما أحداث الشغب بملف الهجرة، وهو ما نفته الشرطة الفرنسية لوكالة “أسوشيتد برس” مؤكدةً أن أعمال التخريب تقف وراءها مجموعات من اليسار المتطرف الراديكالي وعصابات النهب الانتهازية.
وعلى صعيد الحياة العامة وحركة النقل في العاصمة، حسم وزير الداخلية لوران نونييز الجدل الرياضي والأمني بتأكيده عدم وجود أي نية لإلغاء مباراة قمة دوري أبطال أوروبا المقررة على ملعب “حديقة الأمراء” بين باريس سان جيرمان وبرشلونة أو تأجيلها. وفي المقابل، يواجه سكان باريس وزوارها تعقيدات مرورية مضاعفة بالتزامن مع انطلاق عطلة الخريف المدرسية، نتيجة بدء إغلاق جزئي للخط الثاني في مترو باريس يشمل سبع محطات لمدة سبعة أيام متتالية لأعمال الصيانة، إلى جانب استمرار إغلاق محطة “الجمهورية” على الخط الثامن واضطراب حركة قطارات الضواحي. ورغم الأجواء الماطرة والتوترات الأمنية المهيمنة على شوارع العاصمة، تتمسك الأوساط الثقافية بأجندتها السنوية عبر إطلاق فعاليات “أسبوع باريس للفنون 2026” مساء اليوم بمشاركة 38 صالة عرض فنية، تمهيدًا لافتتاح معرض الفن المعاصر في “القصر الكبير” نهاية الأسبوع.







