
تعيش الساحة السياسية المغربية منعطفاً تاريخياً واستثنائياً تقود فيه رئيسة الحكومة، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، مساراً تشاورياً متسارعاً لإعادة هندسة الأغلبية التنفيذية، في تجربة غير مسبوقة تضع قيادة حزب الأصالة والمعاصرة على رأس السلطة التنفيذية لتدشين مرحلة تكسر النمطية المعتادة وتؤسس لمعادلة حكم متجددة. وفي خضم هذه الدينامية، وضعت المنصوري محددات رؤيتها للمرحلة بتأكيدها في تصريح سياسي وازن على أن «المرحلة الدقيقة التي تجتازها بلادنا تفرض نفساً إصلاحياً متجدداً يقطع مع الحسابات الحزبية الضيقة والمنطق الحسابي المحض، ويجعل الاستجابة لانتظارات المواطنين وترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية في صلب القرار العمومي؛ وحكومتنا ستكون منفتحة على كل القوى الوطنية الحية الحاملة لمشروع تنموي حقيقي دون ارتهان لصيغ نمطية مسبقة»، وهو ما منح المفاوضات الجارية طابعاً عملياً تجاوز الترتيبات التقليدية نحو البحث عن تقاطعات فكرية وبرنامجية قادرة على إدارة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المقبلة.
وتجسد هذا التوجه الجديد في حسم حزب التقدم والاشتراكية تموقعه كأول الوافدين والملتحقين بالسفينة الحكومية، مسجلاً عودة مفصلية لحزب «الكتاب» إلى مقاعد التدبير التنفيذي بعد سنوات قضاها في معارضة برلمانية نشطة، حيث بررت قيادة الحزب هذا الخيار في تصريح رسمي أعقب جولة المفاوضات الأولى بكونه «استجابة مسؤولة لنداء الواجب الوطني، واستناداً إلى تقاطعات برنامجية جوهرية تضع العدالة المجالية والحماية الاجتماعية وكرامة المواطن المغربي على رأس الأولويات، وهو ما أتاح التوافق السريع على ميثاق الأغلبية مع رئيسة الحكومة المكلفة». ويتلاقى هذا التموضع اليساري مع الثقل التاريخي والترابي لحزب الاستقلال، الذي يرسخ موقعه كحليف بنيوي لا محيد عنه في تركيبة التحالف، مشكلاً ركيزة توازن أصيلة داخل الائتلاف، وهو ما عبرت عنه قيادة «الميزان» بتأكيدها أن «الشراكة الاستراتيجية القائمة في هذه المرحلة تشكل صمام أمان للاستقرار المؤسساتي، وأرضية صلبة لتسريع وتيرة الأوراش الملكية الكبرى ومواصلة تنزيل برامج التنمية الاقتصادية في إطار من التماسك والتضامن الحكومي الكامل»، ليمنح هذا الالتقاء بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتقدم والاشتراكية نواة صلبة تمزج بين العمق الديمقراطي والامتداد الشعبي.
وفي موازاة هذا التقارب، تتجه الأنظار إلى التطور اللافت المتمثل في بقاء حزب التجمع الوطني للأحرار حتى هذه اللحظة خارج التشكيلة الحكومية، بعد تعثر التوافق الأولي حول الشروط التدبيرية وتوزيع الحقائب وأولويات المرحلة، غير أن كواليس المشاورات تؤكد أن هذا التموضع المؤقت لا يعني بالضرورة إغلاق الباب نهائياً أمام حزب «الحمامة»؛ إذ تظل فرضية التحاقه بالحكومة قائمة ووارداً استحضارها بقوة في اللحظات الحاسمة، مدفوعة ببراغماتية التفاوض السياسي ووزنه البرلماني وخبرة أطره في تدبير المرحلة . ومع ذلك، فإن احتمال بقائه خارج الفريق الوزاري يفتح الباب بدوره أمام قطبية جديدة قد تعيد رسم المشهد بين معارضة قوية وحكومة ذات عمق اجتماعي، ما دفع المفاوضات نحو خيار «التطعيم السياسي» لتأمين حزام تشريعي وأغلبي صلب، عبر استطلاع إمكانية إشراك الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي أبدت قيادته «الاستعداد المبدئي للانخراط في دينامية إصلاحية تعيد لليسار دوره التاريخي في التوازن السياسي وصناعة السياسات الاجتماعية»، إلى جانب بحث إدماج الاتحاد الدستوري لتعزيز عمق الوسط الليبرالي. وتتكامل هذه المسارات لتمنح رئيسة الحكومة المكلفة هامشاً واسعاً لإدارة التحالفات بمرونة عالية، تؤسس لمرحلة تنفيذية تتسم بالحركية والقدرة على تجميع التوافقات الكبرى لخدمة الأوراش التنموية الوطنية.







