
يُمثل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة المغربية في خريف عام 2026 منعطفاً مفصلياً يتجاوز أبعاده الرمزية والبروتوكولية، ليمس البنية العميقة لتوزيع التوازنات الحزبية وإدارة الشأن التنفيذي في المملكة. فاستناداً إلى أحكام الفصل 47 من الدستور، الذي يربط التكليف الملكي بصدارة صناديق الاقتراع، لا يكرس صعود حزب الأصالة والمعاصرة وتكليف منسقة قيادته الجماعية سابقة تاريخية بوصول أول امرأة إلى هرم السلطة التنفيذية فحسب، بل يدشن دورة سياسية جديدة محملة بإرث ثقيل خلفته خماسية 2021–2026 بكل ما شهدته من أزمات هيكلية، وتحولات اقتصادية، وتبدلات في المزاج العام للشارع المغربي. إن قراءة هذا المشهد تفترض تشريحاً هادئاً للمسار الذي سلكته التجربة الحكومية المنتهية ولايتها بقيادة عزيز أخنوش، واستجلاء طبيعة التحديات التي رافقت أداء التحالف الثلاثي السابق، فضلاً عن فهم الكيفية التي استطاع بها حزب الأصالة والمعاصرة إعادة تموضعه ليتحول من شريك في تدبير قطاعات محددة إلى قائد للأغلبية البرلمانية والحكومية.
لقد اتسمت السنوات الخمس الفارطة بوطأة تراكمات موضوعية لم تترك للحكومة السابقة هامشاً مريحاً للمناورة، حيث وجدت نفسها في مواجهة متزامنة بين تداعيات التضخم العالمي الموروث عن اضطرابات سلاسل الإمداد، وتوالي مواسم الجفاف الحاد والإجهاد المائي غير المسبوق الذي ضرب القطاع الفلاحي في مقتل وأثر سلباً على التشغيل القروي. ورغم إطلاق أوراش استراتيجية كبرى برعاية ملكية مباشرة، في مقدمتها تعميم التغطية الصحية الإجبارية وإرساء الدعم الاجتماعي المباشر وإعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، إلا أن الأداء التدبيري لحكومة التجمع الوطني للأحرار ظل خاضعاً لانتقادات متصاعدة مست نمط التواصل السياسي وحجم التفاعل مع الاحتقان الاجتماعي. فقد فُسرت السياسات التنفيذية في محطات عدة بكونها تغليباً للمنطق التكنوقراطي والمحاسباتي البارد على حساب الحوار السياسي الحي، لا سيما إبان الإضرابات الطويلة التي شلت قطاعي التعليم والصحة، والتآكل الملموس للقدرة الشرائية للطبقة الوسطى، وتفاقم معدلات البطالة بين الشباب التي بلغت مستويات حساسة، الأمر الذي خلف انطباعاً بوجود هوة بين الأرقام الرسمية والمعيش اليومي للمواطنين.
في قلب هذه التموجات، خاض حزب الأصالة والمعاصرة تجربة ذات خصوصية فريدة؛ إذ لم يكن بمنأى عن كلفة التدبير الحكومي ومسؤولياته المشتركة، فضلاً عما واجهه من هزات تنظيمية وسياسية كبرى هزت صورته في أواخر سنة 2023. بيد أن الحزب أبان عن قدرة استثنائية على التكيف وإعادة الهيكلة خلال مؤتمره الوطني الخامس مطلع 2024، عبر ابتكار صيغة القيادة الجماعية برئاسة المنصوري، مقدماً نموذجاً للفرز الذاتي والتبرؤ من الشبهات، ومستنداً في المقابل إلى الحصيلة الملموسة التي راكمتها رئيسته في وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، لا سيما برنامج الدعم المباشر للسكن وتدبير ملفات التنمية المجالية. هذا المزيج بين الخبرة الميدانية المتراكمة على رأس عمودية مراكش، والصلابة في التفاوض الحزبي، والخطاب السياسي الصريح، منح المنصوري شرعية مكنت حزبها من خوض استحقاقات سبتمبر 2026 بمرونة دعائية فائقة، استثمرت في الحاجة إلى تجديد النخب والنزوع نحو قيادة تمتلك حساً سياسياً وقرباً مجتمعياً.
إن المشهد السياسي الذي تفرزه هذه المرحلة يضع المنصوري أمام هندسة برلمانية بالغة التعقيد، حيث إن نيل حزبها الصدارة بـ97 مقعداً لا يعفيه من الحاجة إلى ائتلاف متماسك يتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً. وتفرض المشاورات المرتقبة معادلة جديدة في العلاقة مع الحلفاء التقليديين؛ إذ يجد التجمع الوطني للأحرار نفسه مدعواً للقبول بموقع الشريك لا القائد، في حين يسعى حزب الاستقلال إلى تعزيز مكاسبه التاريخية ووزنه النوعي، مع احتمال انفتاح الأغلبية على قوى أخرى لتوسيع القاعدة السياسية للتحالف. هذا الترتيب المؤسساتي الجديد سيختبر مدى قدرة رئيسة الحكومة على ممارسة سلطة التنسيق والتوفيق بين مصالح حزبية متنافسة، وتفادي مظاهر التصدع التي طالما طفت على سطح التحالفات السابقة كلما اشتدت الضغوط القطاعية أو الانتخابية.
وعلى المستوى الوظيفي والسياساتي، ستكون الحكومة الجديدة مقيدة بمصفوفة من الأولويات العاجلة والالتزامات الهيكلية غير القابلة للتأجيل. فالأفق الزمني للمملكة مشدود إلى استحقاقات دولية وقارية كبرى، تتقدمها متطلبات الاستعداد المشترك لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030، وما يرتبط بها من تسريع استثمارات البنية التحتية وتأهيل المدن، وهي أعباء مالية جسيمة تتطلب توفيقا دقيقا مع استدامة تمويل ركائز الدولة الاجتماعية من صحة وحماية اجتماعية وتعليم. وإلى جانب هذا التحدي التمويلي، يبرز ملف التشغيل بوصفه الاختبار الحقيقي لمصداقية الحكومة، إذ لم يعد كافياً الرهان على برامج الإنعاش المؤقتة، بل بات لزاماً إطلاق مبادرات تشريعية واقتصادية تنعش الاستثمار الخاص وتخلق فرص عمل مستدامة وقادرة على استيعاب الطاقات الشابة المحبطة.
كما يرتقب أن يشهد المناخ العام انفتاحاً أكبر على تفعيل الإصلاحات المجتمعية المؤجلة، وفي مقدمتها استكمال مراجعة مدونة الأسرة في توازن دقيق بين الهوية الوطنية والالتزامات الحقوقية، وهو ملف يتطلب حنكة سياسية وتوافقية عالية لتجنب أي استقطاب أيديولوجي قد يعيق التماسك المجتمعي. إن الرهان الأكبر الذي يواجه المنصوري لا يقتصر على صياغة برنامج حكومي تقني منضبط، بل يكمن في استعادة الثقة في الفعل السياسي ذاته، وكسر حلقة العزوف الجماهيري عبر اعتماد نموذج جديد في التواصل العمومي، يقوم على المكاشفة بالصعوبات، والقرب من انشغالات المواطنين، والبرهنة على أن تداول المواقع داخل الأغلبية ليس مجرد تغيير للوجوه، بل هو استجابة حية لنبض التحولات المجتمعية وتكريس لنجاعة الحكامة المؤسساتية في مغرب الغد.







