أراء وكتاب

تصدع العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد أكتوبر

_انهيار المفاهيم التقليدية والتحولات الجذرية في الفكر الاستراتيجي:

​لم يكن هجوم السابع من أكتوبر مجرد حدث عسكري عابر في تاريخ الصراع، بل كان زلزالًا استراتيجيًا هائلًا هز أركان العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي صاغها المؤسسون الأوائل على رأسهم ديفيد بن غوريون. استندت هذه العقيدة لعقود طويلة على ثلاثة أعمدة رئيسية:

_تشمل الردع.

_والإنذار المبكر.

والحسم السريع.

فضلاً عن نقل المعركة إلى أرض العدو. غير أن أحداث أكتوبر أحدثت شرخاً عميقاً أصاب هذه الأعمدة في مقتل؛ فالردع أثبت عجزه أمام خصم استعد لتحمل خسائر بشرية


ومادية هائلة، وباتت سياسة “الحرب بين الحروب” والضربات المحدودة عاجزة عن كبح جماح التخطيط لهجمات واسعة النطاق. وعلى صعيد الإنذار المبكر، تجلت عورة المؤسسة الاستخباراتية في أبهى صورها تحت وطأة ما يُعرف بـ “الكونسبتسيا”، وهي القناعة الراسخة بأن حركة حماس مردوعة بالكامل وتفضل الاستقرار الاقتصادي وإدارة الحكم على المواجهة العسكرية. كما سقط وهم “الحسم السريع” بعدما امتدت أتون الحرب لأعوام دون تحقيق الأهداف الحاسمة المعلنة وسط تشابك جبهات قتالية متعددة. وإلى جانب ذلك، تبخر الاعتماد المطلق على التكنولوجيا الفائقة، حيث أثبت الجدار الذكي والمنظومات الإلكترونية عجزها التام عن الاستغناء عن القوات البشرية والانتشار الميداني الكافي، بعد أن استطاعت وسائل بسيطة كالطائرات المسيرة الرخيصة والجرافات والدراجات النارية شلل منظومة دفاعية باهظة التكلفة.
​هذا الانهيار المفاهيمي دفع بالفكر الأمني الإسرائيلي نحو تحولات جذرية غير مسبوقة؛ إذ جرى الانتقال تدريجيًا من سياسة “إدارة الصراع” المتمثلة في “جز العشب” واحتواء التهديدات إلى محاولة “الحسم” التام ورفض بقاء أي بنية عسكرية منظمة لخصوم إسرائيل، مهما طال الزمن. واقترن هذا التحول بترسيخ مبدأ “الاستباق الهجومي” لضرب الأخطار قبل نضجها وتجنب انتظار النوايا العدائية، وهو ما تجلى بوضوح في الحملات الواسعة ضد حزب الله وساحات إقليمية أخرى. كما فرضت الضرورات الميدانية صياغة عقيدة جديدة تُعرف بـ “الحدود الحيّة”، القائمة على إيجاد تموضع عسكري دائم ومناطق عازلة داخل قطاع غزة والعمق اللبناني والسوري بدلاً من الاكتفاء بالدفاع السلبي من خلف الحدود الدولية. وإزاء هذه التحديات الممتدة، برزت حاجة ملحة لمراجعة شاملة لبنية الجيش الإسرائيلي، من حيث حجم القوات النظامية، ومدة الخدمة العسكرية، وأعباء قوات الاحتياط التي عانت من إجهاد غير مسبوق. وفوق كل ذلك، تعاملت المؤسسة العسكرية مع “وحدة الساحات” كتهديد عضوي متكامل يدار كمنظومة واحدة ترتبط بإيران، مما فرض مواجهة مباشرة ومفتوحة لم تكن مألوفة في العقود السابقة مع محاور المقاومة المختلفة.
​_ التداعيات الوجودية وأزمة الهوية والخيارات الجيوسياسية لإسرائيل:
​على الصعيد الوجودي والنفسي، أحدثت أحداث أكتوبر هزة عميقة في الوعي الجمعي الإسرائيلي عبر إحيائها لإحساس حاد بالهشاشة والتهديد الوجودي الذي تذكره بأطياف المحرقة، مؤكدة قناعة متجددة بأن اليهود لا يمكنهم التعويل سوى على أنفسهم، وهو ما عزز الشعار المتوارث “لن يتكرر ذلك مرة أخرى”. لقد رافق هذا الشعور المأزوم تراجع جذري في الإيمان بإمكانية التسوية السياسية السلمية؛ ففكرة السلام عبر التنازلات والأراضي التي أصيبت بانتكاسات كبرى منذ الانتفاضة الثانية، تحولت بعد أكتوبر إلى قطيعة تامة لدى قطاع واسع من الجمهور الإسرائيلي الذي بات يرى في الانسحابات الأحادية، كتجربة الانسحاب من غزة عام 2005، مصدراً لتوليد التهديدات الأمنية المباشرة لا جلبًا للأمن والاستقرار، الأمر الذي غذى بدوره موجة عارمة من رفض فكرة قيام دولة فلسطينية، رغم استمرار وجود أصوات قليلة تدعو لتبني أفق سياسي يكسر حلقة العنف المفرغة.
​وفي خضم هذه التحولات، تجذر الاعتماد على الذات بوصفه خيارًا استراتيجيًا لا بديل عنه في إدارة المعارك الكبرى، غير أن هذا التوجه يصطدم بمفارقة صارخة تتمثل في الاعتماد المالي والعسكري الهائل على الدعم الأمريكي، وهو ما يثير سجالاً داخلياً محتدماً حول مدى السيادة الفعلية في اتخاذ القرار. وتتوازي هذه المعضلة مع تنامي الشعور بالعزلة الدولية والانكشاف الدبلوماسي أمام تزايد المواقف العالمية المنددة بالسياسات الإسرائيلية، مما عزز عقلية الحصار لدى قطاع واسع من الرأي العام، في حين يرى آخرون أن السلوك الحكومي المتعنت هو المسؤول المباشر عن تعميق هذه العزلة وعزل الدولة عن محيطها الدولي. هكذا أعادت أحداث أكتوبر رسم ملامح المستقبل الإسرائيلي على وقع صراع مرير بين متطلبات الأمن المطلق واستحقاقات الجغرافيا والسياسة المعقدة.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا