
ليس الحجاب في إيطاليا مجرد قطعة قماش تغطي شعر امرأة بل تحول خلال السنوات الماضية في المشهد السياسي والاجتماعي إلى نقطة تتقاطع عندها أسئلة الدين والهجرة والهوية والأمن والاندماج وأصبح غالباً رمزاً تستخدمه التيارات السياسية المختلفة في نقاشها حول صورة إيطاليا التي تريدها في المستقبل. لكن المفارقة الإيطالية أن أحد أبرز السياسيين الذين دخلوا هذا النقاش قبل نحو عشرين عاماً لم يبدأ من الخوف من الإسلام بل من صورة مسيحية مألوفة تتمثل في السيدة مريم العذراء. ففي جلسة برلمانية إيطالية في نوفمبر 2006 كان وزير الداخلية آنذاك جوليانو أماتو قد ميّز بوضوح بين غطاء الرأس وبين إخفاء الوجه مستحضراً صورة مريم العذراء ليؤكد أن المرأة الدينية الأقرب إلى الوجدان المسيحي ترتدي غطاءً على رأسها لا يخفي وجهها مبيناً أن الحجاب شيء وإخفاء الوجه شيء آخر. وعلى الرغم من أن العبارات المتداولة اليوم على مواقع التواصل المنسوبة لأماتو ليست نصاً حرفياً مطابقاً إلا أنها تستند إلى فكرة حقيقية مفادها أن غطاء الرأس لا ينبغي أن يُعامل تلقائياً باعتباره مشكلة أمنية في حين أن إخفاء الوجه يطرح مسائل تتعلق بالتعرف إلى الأشخاص والكرامة والأمن.
أما إيطاليا اليوم فتعيش نقاشاً متجدداً ومختلفاً تماماً ففي شهر سبتمبر الحالي أعادت رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني القضية إلى الواجهة من بوابة المدرسة معلنةً عن توجهات حكومية تتضمن وضع حد أقصى للطلاب الأجانب داخل الصفوف وإلزام أولياء الأمور بتعلم اللغة الإيطالية إلى جانب منع البرقع والنقاب في المدارس مؤكدة أن الأطفال الإيطاليين لا ينبغي أن يجدوا أنفسهم أقلية داخل صفوفهم. وفي هذا السياق يقف المراقبون المتابعون للواقع الإيطالي منذ سنين طويلة على حقيقة واضحة وملموسة تتمثل في عدم رؤية أي تلميذة أو فتاة أو امرأة ترتدي البرقع أو النقاب داخل أي مدرسة إيطالية وهو ما ينسجم تماماً مع رفضنا القاطع والتام للبرقع وأشكال التطرف كافة أو أي ممارسات قد تشكل استغلالاً للمرأة أو مساً بكرامتها. وعندما تحول الإعلان إلى إجراء حكومي أقره مجلس الوزراء في الرابع وعشرين من سبتمبر جاءت الصياغة أكثر تحديداً بحظر البرقع والنقاب في المدارس ودون فرض حظر شامل على كل أشكال الحجاب مع وضع سقف بنسبة ثلاثين بالمئة في الصفوف للطلاب الذين يفتقرون إلى مستوى كافٍ من اللغة الإيطالية إلى جانب إجراءات أخرى مرتبطة بتعلم اللغة والاندماج. وهذا التفصيل ليس هامشياً لأن النقاش العام كثيراً ما يخلط بين أزياء مختلفة تماماً تشمل الحجاب الذي يترك الوجه مكشوفاً والنقاب والبرقع ومن الصعب بناء نقاش قانوني دقيق إذا جرى التعامل مع هذه الحالات وكأنها شيء واحد. وقبل أزمة المدارس الحالية كان ماتيو سالفيني وحزب الرابطة من أبرز الأصوات المطالبة بتشديد القيود على تغطية الوجه في الأماكن العامة رابطين ذلك بقضايا الأمن وحماية النساء من الإكراه وهو ما يختلف عن خطاب أماتو القديم الذي دعا إلى عدم زج الحجاب وتغطية الوجه في سلة واحدة بينما يتعامل التيار الذي يمثله سالفيني مع تغطية الوجه باعتبارها مسألة ينبغي تنظيمها بصرامة أكبر في المجال العام مع التأكيد على أن الإسلام والهجرة والرموز الدينية أصبحت موضوعات متداخلة في الخطاب السياسي المعاصر.
وهنا ينبغي التوقف عند مسألة بالغة الحساسية فليس كل محجبة متطرفة وليس كل مسلم مهاجراً وليس كل مهاجر غير مندمج كما أن رفض التطرف لا يستلزم بالضرورة النظر إلى كل ممارسة دينية بوصفها علامة على التطرف وتلك التفرقة مهمة في أي مجتمع ديمقراطي لأن الدولة عندما تواجه سلوكاً محدداً تستطيع وضع قاعدة واضحة له أما عندما تتحول القاعدة إلى افتراض مسبق عن مجموعة دينية أو ثقافية بأكملها فإن النقاش ينتقل من القانون إلى الهوية. وفي خضم هذا الجدل جاءت كلمات الرئيس سيرجيو ماتاريلا خلال افتتاح العام الدراسي لتؤكد أن المدرسة هي أداة أساسية للاندماج بالنسبة للقادمين من دول أخرى وللشباب المولودين في إيطاليا مشدداً على ضرورة أن تعمل المدرسة على توحيد المجتمع بدل تقسيمه ومنع تكوين الغيتوهات وإقامة الحواجز وفقاً للمادة الرابعة والثلاثين من الدستور الإيطالي. وردت ميلوني على الجدل باستحضار أرشيف ماتاريلا نفسه عندما كان وزيراً للتعليم نهاية الثمانينات ومطلع التسعينيات والتعميمات الصادرة آنذاك بشأن توزيع الطلاب الأجانب معتبرة أن فكرة تجنب تركز الطلاب الذين يواجهون صعوبات لغوية ليست اختراعاً جديداً رغم وجود فرق تاريخي يتمثل في أن إيطاليا أواخر الثمانينات تختلف عن اليوم في طبيعة الهجرة والمدارس والنقاش الأوروبي حول الإسلام والهوية.
وإلى جانب البعد السياسي والتشريعي تظل إيطاليا عبر تاريخها المعاصر نموذجاً حياً وبلداً يضرب به المثل في الانفتاح والتنوع الخلاق والقدرة على المزج الفريد بين الثقافات والحضارات المختلفة. إن النسيج المجتمعي الإيطالي وُلد وترعرع على التبادل الإنساني والحوار المستمر وهو ما جعل من المدن الإيطالية فضاءات رحبة للتعايش السلمي والتلاحم بين مختلف الخلفيات الثقافية والدينية. وفي هذا السياق الإنساني الرفيع ما فتئ قداسة البابا فرانسيس يدعو مراراً وتكراراً إلى ضرورة الإحاطة بالمهاجرين واللاجئين بالرعاية والمحبة مؤكداً في خطاباته ومواقفه الإنسانية الراسخة أنهم ليسوا مجرد أرقام في معادلات سياسية بل هم إخوتنا في الإنسانية وحث المجتمع الدولي والأوروبي على بناء جسر الأخوة الاجتماعية والتضامن بدلاً من جدران الخوف والرفض مذكراً بأن كرامة الإنسان ومقامه الرفيع تعلو فوق أي اعتبار جغرافي أو عرقي أو ديني.
من جانب آخر يشكل تنامي مظاهر العنصرية والاسلاموبوفوبيا وخطاب الكراهية خطراً جسيماً ومباشراً على تماسك النسيج الديمقراطي والمجتمعي في إيطاليا وأوروبا عموماً. إن خطابات التعصب والتخويف المتبادل لا تقتصر أضرارها على تهميش فئات معينة فحسب بل تمتد لتسمم عقول الأجيال الناشئة وتغذي دوامة من الانقسام والعداء المجتمعي الذي يقوض قيم التسامح والعيش المشترك التي بُنيت عليها المجتمعات الحديثة. إن مواجهة هذه الظواهر المدمرة تتطلب وقفة جادة وحازمة من المؤسسات والمجتمع المدني والأفراد عبر تعزيز ثقافة الحوار ونشر قيم الاحترام المتبادل وتفكيك الصور النمطية السلبية لكي تبقى إيطاليا والمدارس الإيطالية منارة حقيقية للاندماج والتعددية.
وفي قلب هذا النقاش المحتدم تبرز أصوات فاعلة وشجاعة في المشهد الإعلامي الإيطالي مثل الصحفية والكاتبة الإيطالية-المغربية الدكتورة كريمة موال التي طالما تصدت من خلال إطلالاتها المستمرة على القنوات التلفزية الحوارية لخطابات الاستقطاب والتطرف اليميني. تؤكد الصحفية كريمة موال مراراً وتكراراً في مداخلاتها على أن المهاجرين والمسلمين ليسوا كتلًا صماء أو تهديداً لهوية البلاد بل هم جزء لا يتجزأ من النسيج الإنساني والاجتماعي لإيطاليا. وهي ترفض بحدة محاولات تحويل الأجانب إلى مادة للتعبئة السياسية الموسمية مشددة على أن الحل لا يكمن في جدران الخوف والإقصاء بل في تعزيز المواطنة المشتركة وتكافؤ الفرص. إن هذه الأصوات الحرة تذكرنا دائماً بأن قوة المجتمعات الديمقراطية تقاس بقدرتها على حماية التعددية وأن الحوار الحقيقي هو السلاح الأنجع لمواجهة ظواهر الإسلاموبوفوبيا وخطاب الكراهية الذي يسعى عبثاً لتمزيق أواصر العيش المشترك ليظل السؤال الجوهري معلقاً حول قدرة المدرسة والمجتمع على جعل الاندماج واقعاً ملموساً يتجاوز الشعارات الانتخابية والسياسية ليقاس بنجاح النظام التعليمي في دمج الطفل الإيطالي والطفل القادم من أسرة مهاجرة في الصف نفسه ليتعلمان اللغة ذاتها ويحصلان على الفرص نفسها وليخرجا من أسوار المدرسة وهما يشعران بالانتماء الحقيقي إلى المجتمع ذاته مؤكدين أن الديمقراطية الحقيقية والتعايش السلمي لا يُقاسان فقط باتفاقنا مع من يشبهنا بل بقدرتنا على احترام وحماية وتكريم الاختلاف والتنوع الإنساني بكل أشكاله.






