ثقافة وفن

حياكة الكون وفلسفة العقدة في نسيج السجاد الشرقي

في تاريخ الحضارات الشرقية، لا تقتصر حياكة السجاد على كونها صناعةً نفعيةً أو تزيينيةً، بل تظهر بوصفها رسالةً فلسفيةً كبرى تترجم رؤية الإنسان للكون والزمن، وتوثق هوياتٍ عابرةً للمكان عبر خيوط محبوكة بالصبر والمكابدة؛ فمنذ أقدم العصور، في وهاد آسيا الوسطى، وهضاب بلاد فارس، وسهول الأناضول، لم يكن النسيج مجرد غطاء للأرض، بل كان فضاءً بصرياً وروحياً تلتقي فيه عوالم الطين بالسماء، وتتحول فيه العقدة الصغيرة (سواء أكانت العقدة التركية المزدوجة “الغيوردس” أم الفارسية المفردة “السِّنّه”) إلى وحدة زمنية ووجودية متكررة، تعبر عن نبض الحياة ومقاومة الإنسان للفناء. إن كل سجادة شرقية هي في جوهرها جغرافيا حميمة، ينسج فيها الصانع — الذي يكون غالباً امرأةً تترنم بأهازيج القبيلة وتناجي الغيب في خلوتها — ذاكرة الجماعة، وصراعاتها مع الطبيعة، وحنينها الدائم إلى الخلد؛ حيث تغدو الخيوط الصوفية والحريرية المصبوغة بمستخلصات الجذور البرية، وقشور الرمان، وأوراق الجوز، رموزاً بصريةً غير متناهية تحكي قصة الترحال والاقتراب.
​تتأسس هذه الحرفة العتيقة على علاقة ميتافيزيقية دقيقة بالبنية والنمط؛ فالنول العمودي أو الأفقي يمثل الهيكل الذي يضبط فوضى الخيوط، حيث تمتد “السداة” رأسياً كأنها مسارات العمر، وتتقاطع معها “اللحمة” أفقياً لتصنع نسيج اللحظة العابرة، بينما تتراكم العقد ملايين المرات لتشيد معماراً بصرياً يفيض بالدلالة. وفي هذا الفضاء الهندسي، تكتسب الزخارف والرموز بعداً كونياً بليغاً؛ فالرَّنْك الأوسط أو الميدالية المحورية (“التُّرُنْج”) التي تتوسط السجادة لا تمثل مجرد زينة، بل هي رمز للمركز الكوني، أو البؤرة التي تفيض عنها الكثرة وتعود إليها، محاطةً بنقوش النباتات، والطيور، والحيوانات، وأشكال النجوم المتكسرة التي تذكر بدورات الفلك وتحولات الطبيعة. هذا التصميم ليس محاكاةً ظاهريةً للواقع، بل هو تلوين رمزي وتجريد باهر يحول الطبيعة إلى هندسة مقدسة، تمنح الناظر إليها فرصةً للتأمل والسكينة، وتخلق مساحةً مقتطعةً من الفردوس الأرضي داخل الخيمة أو الدار، تعززها الأطر المحيطة (“الحواشي”) التي تنتصب دروعاً رمزيةً تحرس هذا الفردوس المصغر وتحميه من عوادي العالم الخارجي.
​إن ما يمنح السجاد الشرقي تفرده الوجودي هو إقرار صانعيه التلقائي بنقص البشر وعظمة الخالق؛ حيث يحرص النسّاجون، في تقليد صوفي متوارث، على إدخال خَطَأٍ طفيفٍ وعَفْويٍّ في النمط أو تفاوت غير منتظم في درجات الألوان (يُعرف بـ “الأبراش”)، إعلاناً صريحاً عن كسر الكمال المطلق الذي لا يليق إلا بالخالق وحده، مما يمنح السجادة روحاً إنسانيةً حيةً تنبض بالضعف والجمال الصادق. ومع مرور القرون، يكتسب النسيج حياةً جديدةً؛ فالألوان الحارة المصبوغة بالمواد الطبيعية لا تبهت، بل تتنفس وتتكامل مع الضوء وحركة الأقدام، لتتحول السجادة من قطعة مادية صماء إلى كائن حي يشيخ بكرامة، ويحمل بصمات أجيال تفاعلوا معه. وهكذا، تظل حياكة السجاد الشرقي ملحمةً صامتةً تروي حكاية الإنسان مع الأرض والغيب؛ ملحمةً يعاد بناؤها عقدةً إثر عقدة، لتؤكد أن بقاء الذاكرة لا يحتاج إلى صخر صلد، بل إلى خيوط من الروح والتراب تلتف معاً لتصنع تاريخاً لا يُمحى.

جواد مالك

مدير عام و رئيس تحرير جريدة أهم الأخبار الدولية. أمين عام الإتحاد الدولي للشعراء والأدباء العرب (فرع المملكة المغربية). عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أمين سر منظمة أواصر السلام العالمية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

دعنا نخبرك بما هو جديد نعم لا شكرا