
لم يكن خبر اليوم مجرد خبر عادي يمر في وكالات الأنباء. عندما قرأت بيان مكتب تون مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق يعلن وفاة زوجته الدكتورة سيتي حسمة عن 100 عام، شعرت أن جزءا من ذكرياتي وتاريخي الشخصي والمهني مع الشأن الماليزي قد رحل.
اثنان وعشرون عاما وأنا قريب من ماليزيا، ليس كمراقب أو صحفي عابر، بل كمستشار إعلامي عملت إلى جانب صانع نهضتها الحديثة، تون مهاتير محمد. وخلال هذه الرحلة الطويلة، تعلمت أن وراء كل زعيم عظيم امرأة أعظم، وكانت تلك المرأة هي سيتي حسمة.
الكثيرون يعرفون مهاتير السياسي الصلب، صاحب القرارات الحاسمة الذي حول ماليزيا من بلد زراعي إلى نمر آسيوي. لكن القليلين عرفوا مهاتير الإنسان الذي رأيته في بيته في كوالالمبور وبوتراجايا. رأيت كيف تتحول صرامته إلى هدوء واحترام عندما تدخل سيتي حسمة الغرفة. كانت هي من يلطف الأجواء بابتسامتها وفكاهتها الهادئة، وهي من تذكرنا جميعا بأننا بشر قبل أن نكون سياسيين وإعلاميين.
لن أنسى أبدا يوم استضافني في بيته، لم أكن ضيفا رسميا، بل رحب بي كأحد أبنائه. هذا الكرم لم يكن مجاملة بروتوكولية، بل كان طبعا أصيلا ورثته هذه العائلة من أمها. سيتي حسمة التي كانت أول طبيبة ملايوية تتحدى التقاليد لتحصل على شهادة الطب في الأربعينيات، هي نفسها التي ظلت حتى آخر أيامها أما حانية تستمع وتحتوي.
كانت تختلف عن كل زوجات الزعماء الذين قابلتهم في مسيرتي في الإمارات وكازاخستان وماليزيا. لم تبحث يوما عن الأضواء، لم تتدخل في السياسة، لكنها كانت حاضرة في كل الملفات الإنسانية، صحة الأم، تنظيم الأسرة، تعليم الفتيات. كانت تدرك أن بناء الوطن لا يكون بالمصانع والجسور فقط، بل ببناء الأسرة.
اليوم، ماليزيا لا تفقد زوجة رئيس وزراء أسبق، بل تفقد أما وامرأه ماليزية حقيقية خدمت مجتمعها ودعمته بكافه الوسائل المتاحة .
عزائي لتون مهاتير، الرجل الذي بلغ 101 عام وما زال يقف شامخا، لكنني أعرف أن هذا الفقد هو الأثقل. فقد احتفلا قبل شهر واحد فقط بذكرى زواجهما السبعين، قصة حب بدأت في مقاعد دراسة الطب في سنغافورة واستمرت لتكتب تاريخ بلد بأكمله.
رحمك الله يا دكتورة سيتي حسمة، وجزاك الله عن ماليزيا وعنا كل خير. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ما يمكن ان يقال عن إنجازات هذه السيدة:
مسيرة حافلة تتجاوز لقب زوجة رئيس وزراء اسبق
لم تكن سيتي حسمة مجرد زوجة لأطول رؤساء وزراء ماليزيا بقاء في المنصب، بل كانت قامة وطنية بحد ذاتها.
فهي أول امرأة يتم تعيينها كمسؤولة طبية في ولاية قدح، مسقط رأس مهاتير، وكرست حياتها كناشطة في مجال الصحة العامة، وداعمة قوية لقضايا صحة الأمهات وتنظيم الأسرة والقضايا الاجتماعية.
واشتهرت الراحلة في الأوساط الماليزية بشعبيتها الواسعة وتواضعها وحسها الفكاهي المحبب، وهو ما شكل تباينا لطيفا مع أسلوب زوجها المعروف بالشدة والحدة السياسية.
70 عاما من الرفقة
قصة مهاتير وسيتي حسمة هي قصة جيل بأكمله. فقد التقيا أثناء دراستهما الطب في سنغافورة أواخر أربعينيات القرن الماضي، وتزوجا ليحتفلا في أغسطس الماضي بذكرى زواجهما السبعين.
وأثمر زواجهما عن سبعة أبناء، من بينهم رجل الأعمال مخزني مهاتير، والناشطة الحقوقية المعروفة مارينا مهاتير، والسياسي مخريز مهاتير.
وكان مهاتير محمد، البالغ من العمر 101 عام، والذي ينسب إليه الفضل في قيادة نهضة ماليزيا الحديثة على مدى عقدين من الزمن، يصفها دائما بأنها “الدعامة الأساسية لنجاحه”.







